الحكومة السودانية تلاحق منبر الحرية الأخير للصحفيين

الخميس 2014/11/27
الصحافة السودانية تواجه مأزقا كبيرا بعد عدة إجراءات قامت بها الدولة لإحكام السيطرة عليها

الخرطوم - يلاحق نواب البرلمان السوداني هامش الحرية المتبقي للصحفيين، ويهددون بسن تشريعات قانونية تحاصر الإعلام الإلكتروني لإلحاقه بالصحافة الورقية المخنوقة أصلا.

وجه نواب البرلمان السوداني، انتقادات لاذعة، للإعلام الإلكتروني ووصفوه بـ“الخطر الداهم” الذي لا حدود له واتهموه بإثارة الفتنة والشائعات، ممّا ترتبت عليه أضرار بالغة على المجتمع والأفراد والأسرة، وطالبوا بإصدار تشريعات لتنظيم الإعلام الإلكتروني.

وأشار وزير الدولة بوزارة الإعلام، ياسر يوسف، إلى تأثير الإعلام الإلكتروني خاصة في القضايا الاجتماعية وقال إن قانون الصحافة الجديد سيتضمن بنوداً خاصة به.

وانتقد النواب مسلك إيقاف الصحف ومصادرتها، وأكدوا أنها تلقي بظلال سالبة على الوطن وطالبوا السلطات بعدم المصادرة إلا فيما يمس أمن الوطن الذي وصفوه بالخط الأحمر، ودعت رئيس لجنة الإعلام بالبرلمان، عفاف تاور، إلى أن تعمل مقررات المؤتمر الثاني لقضايا الإعلام، على حماية منسوبيه من المحاسبة إلا وفقاً للقانون، وشددت على عدم إخضاع الإعلاميين لأي محاسبة من أي جهة بخلاف القضاء.

وتساءل رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان محمد يوسف عبدالله، في جلسة أول أمس المخصصة لتقرير بشأن توصيات المؤتمر القومي الثاني لقضايا الإعلام 2014، عمّن يحاسب مروجي الشائعات في الإعلام الإلكتروني، ومن يزودوهم بالمعلومات، ووصفت النائبة رشيدة سيد أحمد الإعلام الإلكتروني بأنه “يأتيك بالأخبار قبل أن يرتد إليك طرفك” وبسرعة خيالية، واعتبرت أنهم يطلعون عليه مكرهين ورأت أن الانفتاح الإلكتروني الموجود في السودان لا يوجد في دولة أخرى ووصفت ذلك بالأمر بالمحبط.

وكانت وزارة الإعلام قد أعلنت، أن قانون الصحافة والمطبوعات، المنتظر إجازته، سيتضمن بنودا خاصة بالإعلام الإلكتروني، في وقت أقرت بتأثير كبير للإعلام الالكتروني في البلاد.

وتعاني وسائل الإعلام التقليدية في السودان سلسلة من المضايقات الأمنية والرقابية والتدخلات الحكومية في عمل الصحف، مما دفع الصحفيين إلى إيجاد منابر بديلة على الإنترنت للإفلات من الحصار الأمني والمضايقات الحكومية.

قضايا النشر الإلكتروني يتم التعامل معها وفقا للقانون الجنائي

وتشير وسائل الإعلام المحلية، إلى أنه لا يوجد قانون مختص بالصحافة الإلكترونية في السودان، وأن قضايا النشر الإلكتروني يتم التعامل معها وفقا للقانون الجنائي السوداني وقوانين المعلوماتية.

ويفرض جهاز الأمن والمخابرات في السودان، رقابة صارمة على الصحف ووسائل الإعلام إلى جانب العديد من الانتهاكات الأخرى كمصادرة الصحف وتوقيفها ومنع النشر، ومنع الصحافيين من الكتابة، واعتقالهم وملاحقتهم جنائياً بالبلاغات الكيدية، بالإضافة إلى إجبارهم على تغطية نوع معين من الأخبار، ومنعهم من تغطية أخرى.

كما وثّقت جهات مستقلة مصادرة أكثر من 35 طبعة من مختلف صحف السودان، العام الماضي.

فالصحافة السودانية تواجه مأزقا كبيرا بعد عدة إجراءات اتخذتها الدولة، قال عنها محللون إنها محاولات من الدولة لإحكام السيطرة على الصحافة وحرية التعبير في البلاد. حيث زادت الرسوم والضرائب، كما اتهم البعض النظام بتوزيع الإعلانات على الصحف الموالية فقط لتستمر في نشاطها في مقابل تعمّد إفقار الصحف المعارضة.

ويصرح صحفيون سودانيون بأن الدولة تعطيهم توجهات مباشرة لتبني مواقف معينة أثناء الاضطرابات في البلاد، ومن يخالف تلك التوجهات من الصحف تتعرض للحظر.

وقالوا إنه كانت هناك مادة في الدستور السوداني تسمح للأجهزة الأمنية بالرقابة على الصحف، وقد أُلغيت هذه المادة في تعديلات دستورية، لكن فعليا لم تلغى حتى الآن. كما أن نيابة الصحافة تتيح لمن يتضرر في قضايا النشر أن يقاضي الصحف استنادا إليها، وهو ما لا يتم غالبًا لأن الأمن يقوم بدوره دون أن يدع لأحد دور. كذلك يأتي دور اتحاد الصحفيين السودانيين كنقابة للصحفيين، لكن دورها منحصر للغاية ما بين شجبٍ وإدانة بيد مغلولة عن الفعل.

دور نقابة الصحفيين منحصر ما بين شجبٍ وإدانة بيد مغلولة عن الفعل

ويؤكد الكثير من الصحفيين، أن المشكلة ليست في قوانين الصحافة بقدر ما تتمثل في تنفيذ تلك القوانين على أرض الواقـع، حيث أن قانون الصحافة والمطبوعات أُدخلـت عليه تعديلات مرضية شكليًا، أشاد بها العديــد من الصحفيين، لكن الحكومة تنسلخ مـن تعهدات حفظ حق حرية الرأي والتعبيــر، حتى باتت عدم الثقـة هي الأسـاس بين الدولة والصحفيين، فيما يؤكد آخرون أن الوضع السياسي هو المتحكم في عملية الرقابة على الصحافة، فكلما شهد الوضع السياسي استقرارًا رفعت الحكومة يدها شيئا ما عن الصحف، أما في أوقات أزمات النظام تشتد القبضة الأمنية على الصحف، ويبدو على حد تعبيرهم أن النظام بات في أزمة طــوال الوقت، لذلك أصبح التضييق السمة العامة والدائمة على الصحف ووسائل الإعلام في السودان.

وتحدث صحفيون عن محاولات لإيجاد البديل للصحف التقليدية وإيجاد منافذ إعلامية شبابية جديدة، بعيدا عن الرقابة الحكومية، تكون صوتًا مسموعًا في الشارع السوداني، عن طريق الاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وهو ما نفذه مجموعة من الشباب في مبادرة أطلق عليها اسم “نفير”، لمساعدة ضحايا السيول العام الماضي في السودان.

لكن أحد المشاركين قال إن الحكومة أحسّت بخطر الحملة في التفاف الشباب حولها في ظل عجز النظام عن معالجة مشكلة تعصف بعدد من المناطق سنويًا دون حل؛ فقبضت على مجموعة من المشاركين فيها، واتهمتهم بالانتماء لخلية شيوعية، وأجهزت على المشروع الشاب، وهو ما يؤكد أن النظام يخشى من الإعلام الشبابي غير التقليدي، ويسعى لإضافة رقابة صارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتصل إلى حالة الموت مثلما يحدث مع الصحافة الورقية.

وعلى خليفة هذا الإجراء جاءت السودان ضمن قائمة أسوأ 10 دول في مجال حرية الصحافة، حسبما ذكرت صحيفة “كريستيان ساينس مونتيور” الأميركية، نقلاً عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، المعنية بحرية الصحافة.

18