الحكومة السودانية وقطاع الشمال: تفاوض أو لا تفاوض

الخميس 2013/09/26

تتقن الحكومة السودانية آلية فريدة من المناورات في نهجها التفاوضي مع الحركات المسلحة المعارضة تتبدى للمتابعين في إتباعها استراتيجية تفكيك الخصم ثم استقطاب العنصر الأضعف منه إلى جانبها. نجحت هذه الاستراتيجية بشكل كبير مع الحركات الدارفورية المسلحة، وها هي الحكومة تطبقها في مفاوضاتها مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال).

اليوم وبعد الوصول إلى طريق مسدود في تلك المفاوضات، عملت الحكومة على استقطاب فصيل بقيادة لواء أعلن انسلاخه عن الحركة الشعبية (قطاع الشمال)، الأسبوع الماضي مع رفضه لأجندة الجبهة الثورية بمنطقة جبال النوبة. جاء على لسان قائد جبهة جبال النوبة اللواء عبد الباقي كوكو قائد التوجيه المعنوي السابق بالجيش الشعبي لتحرير السودان، إنهم يدعون قيادات أبناء جبال النوبة من عضوية الحركة الشعبية بالداخل والخارج الانضمام إليهم.

وهذا ليس الانشقاق الأول في تاريخ (قطاع الشمال)، فمنذ تكوين الحركة الشعبية لتحرير السودان في ثمانينات القرن الماضي، مرت بمراحل صراع عديدة على أثر خلافات قديمة. تلك الخلافات- ومنها الذي يتعلق مباشرة بتكوين (قطاع الشمال)- قادت إلى انشقاق أعلن عن نفسه كحزب سياسي تم تسجيله في مجلس شؤون الأحزاب السودانية بتاريخ 2/7/2012 باسم الحركة الشعبية (جناح السلام) بقيادة الجنرال دانيال كودي. وبنفس الشعار للفصيل المنشق حديثاً انضم جناح السلام ذاك واتخذ شعار (لا للحرب نعم للسلام)، إلى الأحزاب السياسية في الخرطوم، حتى يكون على أهبة الاستعداد لقبول شروط الحكومة في التفاوض والتي سبق ورفضها قطاع الشمال.احتفظت الحكومة بورقة الجنرال كودي ولكنها جلست للتفاوض مع الحركة الشعبية.

في تلك الآونة قدّم مجلس الأمن قراره رقم 2046 حول المفاوضات بين دولتي السودان، والتفاوض بين الحكومة السودانية وقطاع الشمال، والذي نص في الفقرة 3 على ضرورة تعاون حكومة السودان والحركة الشعبية مع الآلية الأفريقية الرفيعة وكرسى «الإيقاد»، وذلك بغرض التوصل إلى توافق تفاوضي على أساس الاتفاقية الإطارية الموقعة فى 28 يونيو 2011. وبالتركيز على الجزء المتعلق بالشراكة السياسية بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية (قطاع الشمال) وما يتعلق بالترتيبات السياسية والأمنية لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، نجد أنّ القرار أمّن ضرورة تفاوض القطاع مع الحكومة السودانية بشكل منفرد ما اعتبرته بقية الحركات المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية عاملاً ينال من وحدتها.

كان التفكير في الحوار كحل للأزمة وإنهاء للجدل القائم بين قطاع الشمال والحكومة قد ذهب بعيداً في الخصومة للدرجة التي دمغت فيها الحكومة القطاع بعدم الوطنية والتمرد، ومبادلة القطاع كذلك لها بوصفها بالانتهازية وعدم الشرعية. وإن كان للحوار ثمن يجب أن يدفعه الطرفان تنازلاً عن بعض كبرياء فإنّ ما تم إراقته من حبر على ورق التصاريح، لا يعادل قيمة الحوار المرتجى وجدواه بل عمل على إغلاق آخر المسارات التي كان بإمكانها السماح بنفاذ بصيص أمل.

ومن قلب المعارك بين الجيش السوداني وقوات الجبهة الثورية السودانية التي تمثل الحركة الشعبية (قطاع الشمال) أحد مكوناتها الأساسية، جلس وفدا الحكومة وقطاع الشمال لاستئناف المفاوضات التي ما إن تبدأ حتى يغادر أحد الأطراف ويحتاج إلى تدخل الأمم المتحدة ولجنة الوساطة الأفريقية لإعادته إلى طاولة المفاوضات.

إنّ واقع القتال الدائر في جنوب كردفان والنيل الأزرق لا يبعث على احتمالات وصول الخرطوم إلى حل مع الحركة الشعبية (قطاع الشمال) إلا بالقدر الذي يثيره استقطابها لفصائلها المنشقة. وإذا أضفنا إلى عامل الصراع على الأرض كمعرقل لعملية التفاوض، عامل الضغط بورقة هذه الفصائل المنشقة المؤلفة مواقفها فقد يضطر الطرفان إلى الإعلان عن فشل قريب تذهب رياحه بجهود كل وساطات التفاوض.

ما زال صراع التصريحات فضلاً عن الصراع على الأرض مستمراً، فترى هذه الأيام أخبار الإعلان عن تفاوض الحكومة مع أهل منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بما فيهم قطاع الشمال. ويتم ذلك بين تأكيد الرئيس السوداني عمر البشير على ذلك ونفي وزير الخارجية علي كرتي بأنّ الاتفاقية لم تنص على شيء اسمه قطاع الشمال، ولن يكون هنالك تفاوض إلا مع سكان المنطقتين، وحول قضاياهما.

وهذا التضارب في الإعلان فيما يتعلق بمفاوضات الحكومة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) من أجل السلام في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، ظاهرة متأصلة في تعامل الحكومة مع الكيانات السياسية المعارضة خاصة التي تحمل السلاح. وعلى مستوى نخبة القيادة السياسية العليا في البلاد في مواجهة قطاع الشمال نجد أنّ الأمر قد وصل إلى أكثر من الجهر بالعداء، تعدّت فيه الحالة حدود اعتراف كل طرف بالآخر إلى صراعات كلامية تزيد أوار الحرب اشتعالاً على اشتعال.


كاتبة سودانية

9