الحكومة السورية تقدم موازنة حربية غارقة في العجز

أكد خبراء اقتصاديون لـ”العرب” أن الموازنة العامة التي أعلنها النظام السوري للسنة المالية المقبلة، تكشف هشاشة الوضع المالي للنظام السوري، وأن زيادة الإنفاق بنحو 303 مليون دولار، سوف يلتهمها التراجع الحاد لسعر صرف الليرة الذي يبلغ حاليا نحو 330 ليرة للدولار في السوق السوداء.
السبت 2015/10/10
النشاط الاقتصادي انحدر إلى مستويات بدائية

ألقت بيانات موازنة العام المقبل، المزيد من الأضواء حول حجم الأزمة المالية الخانقة التي يعاني منها النظام السوري، رغم أن أرقامها مليئة بالمبالغات غير الواقعية بحسب الخبراء.

وأظهرت بيانات الموازنة، التي كشف عن تفاصيلها وائل الحلقي رئيس حكومة النظام السوري، تبلغ 1980 مليار ليرة فقط، أي أنها لا تزيد على 6 مليارات دولار بحسب سعر الليرة في السوق السوداء حاليا.

وأعلن أن أكثر من 53 بالمئة من تلك الموازنة سيذهب إلى مخصصات الدعم الحكومي للسلع الأساسية في المناطق التي لا تزال تحت سلطة النظام.

ويمكن لقيمة الموازنة أن تنخفض بشكل كبير في ظل تراجع سعر صرف الليرة الذي يقدر حاليا بنحو 330 ليرة للدولار، مقارنة بنحو 250 ليرة للدولار في نهاية العام الماضي. وبالتالي لن تتمكن من تخفيف الأعباء التضخمية التي يعاني منها المواطن السوري.

ويرى خبراء ومحللون أن زيادة الإنفاق 100 مليار ليرة (303 مليون دولار) لا تتمكن من إحداث أي تغيير لإعادة الحياة إلى القطاعات الاقتصادية الميتة أو المحتضرة، بل إن الموازنة تصبح منخفضة عن العام الماضي إذا تم احتساب تراجع الليرة منذ بداية العام الحالي.

عبدالله حمادة :موازنة العام المقبل تتجاهل حقيقة الانحدار السريع لسعر صرف الليرة

ويقول الخبير الاقتصادي عبدالله حمادة في حديثه لـ”العرب” إن موازنة عام 2010 كانت تعادل نحو 16.3 مليار دولار، وكــان العجز فيها يبلغ نحو 23 بالمــئة. وأضاف أن الـــناتج المحلي الإجمالي وصل في ذلك العام إلى 60 مليار دولار. وأشار إلى أن الإنفاق في موازنة العام المقبل لا يعادل أكثر من 37 بالمئة من حجم الإنفاق في عام 2010، رغم المبالغة في التقديرات الحكومية.

وأكد أن تلك المعطيات في موازنة العام المقبل ليست قادرة، وغير كافية لتحريك عجلة الإنتاج أو التخفيف من تأثير انفجار التضخم وغليان الأسعار على الناس.

وأضاف أن ما زعمت حكومة نظام الرئيس بشار الأسد تخصيصه للدعم الحكومي في العام الماضي (984 مليار ليرة) يزيد على ما تم تخصيصه في موازنة العام المقبل (1053 مليار ليرة) وذلك استنادا إلى حقيقة انحدار سعر صرف الليرة، الذي تجاهلته الموازنة.

وأوضح أن موازنة عام 2015 تم تمويلها بالعجز، وخاصة من خلال طبع عملات نقدية بدون رصيد بقيمة (10 مليارات ليرة)، ورجح أن تتفاقم مشكلة العجز في موازنة العام المقبل. وتوقع أن يكون العجز أكبر في العام المقبل مما هو عليه في موازنة العام الحالي.

وجاءت تصريحات الحلقي عن موازنة عام 2016 مليئة بالشعارات ومفتقرة للأرقام الدقيقة، حيث أكد أنها “تهدف إلى تعزيز صمود قواتنا المسلحة ودعمها وتأمين متطلبات صمود الشعب السوري المعيشية والخدمية… هي موازنة مواجهة وتحدي وحرب”.

ولم يتطرق رئيس وزراء النظام، في كل تصريحاته إلى أي بيانات أو مؤشرات عن أداء الاقتصاد السوري، أو ما تبقى منه، خلال العام الحالي أو المقبل. كما أغفل التطرق إلى مصادر إيرادات الموازنة.

وائل الحلقي: الموازنة تهدف لتعزيز صمود قواتنا المسلحة وتأمين متطلبات الشعب السوري

وترى بعض التقارير أن الأسد ومن خلال أحاديث أركان حكمه عن موازنة العام المقبل، يحاول إرسال إشارات سياسية عبر الاقتصاد، لتأكيد بقائه واستمراره في الحكم، رغم توقف النشاط الاقتصادي في معظم مكونات الناتج الإجمالي المحلي للدولة.

وترى دراسات أن الموازنة عاجزة عن القيام بأي دور إيجابي بسبب ضعف الملاءة المالية، والتي تترافق مع تراجع مطرد في جميع المؤشرات. وهي تؤكد أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة لا تقل عن 28 بالمئة في عام 2014 وخرج ما يزيد عن 60 بالمئة من أصحاب الأعمال من البلاد.

وقدرت إحصاءات المنتدى الاقتصادي السوري معدل التضخم في العام الماضي بنحو 68 بالمئة مقارنة بنحو 4.4 بالمئة في عام 2010.

وقد رافق ذلك ارتفاع كبير في معدل البطالة الذي تجاوز نسبة 69 بالمئة في العام الماضي. وأكد المنتدى أن عدد العمال الذين فقدوا عملهم بلغ أكثر من 3 ملايين سوري خلال السنوات الأربع الماضية.

كما أدى التراجع في نشاط مجمل القطاعات الاقتصادية إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي في سوريا من 60 مليار دولار في عام 2010 إلى 23 مليارا في العام المــاضي، أي أنــه انكمش بأكثر من 61 بالمئة. وأدى غليان الأسعار الناتج عن انحدار الليرة، إلى حرمان ذوي الأجور المنخفضة من حاجاتهم الأساسية، ففي العامين الماضيين ارتفع سعر الكيلوغرام من الخبز من 15 إلى 35 ليرة، وتضاعف سعر المازوت (الديزل) 9 مرات من 15 إلى 130 ليرة للتر، وارتفع البنزين من 40 إلى 160 ليرة للتر الواحد. وأكد محللون أن سياسة الدعم الحكومي لم يعد لها أي أثر إيجابي.

وأضافوا أن مهمة الدعم هي خفض المستوى العام للأسعار لتبقى الأجور المنخفضة رقميا قادرة على تغطية بعض الحاجات الأساسية، وهو ما لا يتوفر في الحالة السورية، بسبب انحدار الأجور إلى مستويات لا يمكن مقارنتها بدول الجوار نتيجة تراجع الليرة.

11