الحكومة العراقية تحاول إخماد شرارة انتفاضة ثانية بصدد الانطلاق من الناصرية

محافظ جديد لمدينة الناصرية يواجه رفضا شعبيا بسبب انتمائه الحزبي.
الأربعاء 2021/04/07
نار الناصرية تهدد المسار الانتقالي

لا تملك الحكومة العراقية الغارقة في متوالية معقدّة من المشاكل والأزمات الكثير من الخيارات للاستجابة لمطالب المحتجين ولتطويق شرارة انتفاضة جديدة تلوح معالمها في محافظة ذي قار ومركزها مدينة الناصرية وقد تعمّ مناطق وسط وجنوب البلاد قبل الانتخابات المبكّرة المقررة لشهر أكتوبر القادم، لتنسف بذلك المسار الانتقالي الذي يحاول رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي تأمينه وسط غابة من الضغوط والتحدّيات.

بغداد – تحاول الحكومة العراقية تطويق موجة احتجاجات متصاعدة في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار بجنوب العراق، مخافة أن توقد شرارة انتفاضة جديدة في عموم مناطق وسط وجنوب البلاد، خصوصا وأنّ المدينة التي تمثّل نموذجا مصغّرا لتعطّل عجلة التنمية ومعاناة السكان من الفقر والبطالة وسوء الخدمات، تحوّلت منذ خريف سنة 2019 إلى مركز رئيسي للحركة الاحتجاجية ضد الفشل الحكومي المزمن وفساد النظام القائم.

وتمّ اختيار طبيب من أبناء محافظة ذي قار هو أحمد الخفاجي لتولّي منصب المحافظ بعد أكثر من شهر على تكليف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي رئيسَ جهاز الأمن الوطني عبدالغني الأسدي بإدارة شؤون المحافظة إثر استقالة ناظم الوائلي في أعقاب احتجاجات عنيفة على سوء إدارته للشأن المحلّي شهدت مواجهات بين الشرطة والمحتجّين أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص وجرح العشرات.

وفي محاولة لتهدئة غضب الشارع إثر تلك الأحداث تمّ تشكيل مجلس استشاري مرتبط برئيس الوزراء لمتابعة إعمار المحافظة وحل مشاكلها. لكنّ الاحتجاجات تواصلت، حيث بدا أنّ الحكومة الغارقة في أزمة صحية ومالية عاجزة عن إحداث تغيير ملموس في الأوضاع الاجتماعية بالجهات.

ورغم أن تعيين الخفاجي محافظا لذي قار جاء بمثابة استجابة لمطالب المحتجيّن ولو في جانبها الإجرائي والإداري، إلاّ أنّ علامات التململ ضد هذا الاختيار لم تتأخّر، حيث انتشرت في أوساط المحتجّين انتقادات للخفاجي مدارها أنّه متحزّب وينتمي للتيار الصدري بقيادة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، فيما كان مطلب أبناء ذي قار تعيين محافظ محايد لا ينتمي إلى أي حزب.

وجاء هذا المطلب كخلاصة لتجربة سلبية لأبناء أغلب محافظات العراق مع المسؤولين المحلّيين المعيّنين من قبل الأحزاب والميليشيات المرتبطة بها، والذين كانوا بمثابة رعاة لمصالح تلك الأحزاب في الجهات يؤمّنون لها حصّتها من موازنات وموارد المحافظات ويضمنون لها احتكار إدارة المشاريع المربحة والحصول على الصفقات العمومية دون وجه قانوني.

تجربة سلبية لأبناء المحافظات العراقية مع المحافظين المتحزّبين الذين يعتبرون رعاة لمصالح أحزابهم في الجهات

وتبذل حكومة الكاظمي جهودا مضاعفة لتهدئة الغضب الشعبي في ذي قار قبل حلول فصل الصيف الذي أصبح بمثابة موعد سنوي لبداية الاحتجاجات الشعبية في العراق نظرا لاستفحال أزمة الكهرباء والماء خلاله.

وسيكون اندلاع انتفاضة عراقية جديدة بمثابة ضربة للجهود التي بذلها الكاظمي منذ توليه منصب رئيس الوزراء خلفا لعادل عبدالمهدي الذي أطاحت به من المنصب انتفاضة أكتوبر 2019 لتأمين مرحلة انتقالية بأخف الأضرار والخسائر وصولا إلى الانتخابات المبكّرة المقرّرة لشهر أكتوبر القادم. وأغلق العشرات من المحتجين الأسبوع الماضي مدخل مصفاة الناصرية النفطية لعدّة أيام ما تسبّب في نقص الوقود في جميع أنحاء محافظة ذي قار.

وأقام ما يربو على مئتي خريج جامعي عاطل عن العمل اعتصاما خارج المصفاة للمطالبة بوظائف ومنعوا الموظفين من دخول المبنى وذلك بعد أن أقرّ البرلمان العراقي الميزانية الاتّحادية دون معالجة قضيّة البطالة.

وجاء ذلك بينما نفذ “المحاضرون المجانيون” (مدرّسون بعقود مؤقتة يتقاضون منحا مالية رمزية) احتجاجات في محافظات العراق الخمس عشرة إضافة إلى المحافظات الثلاث بإقليم كردستان تنديدا بعدم تضمين الموازنة العامة بندا يتعلّق بحل مشكلتهم.

وتعهد الكاظمي الإثنين بإيجاد حل عاجل ومنصف لملف هؤلاء المحاضرين. وقال عبر تويتر “الأحبة والإخوة والأبناء من المحاضرين، لن نترككم دون إنصافكم، ولن نسمح لأي جهة أو شخص بالمزايدة على حساب مشاعركم، وقد حاولنا حلّ المشكلة من خلال الموازنة”، مضيفا “سنبحث في جلسة مجلس الوزراء موضوعكم لإيجاد حلّ عاجل لكم”.

Thumbnail

وفي وقت سابق قال النائب الأول لرئيس مجلس النواب حسن الكعبي في بيان “أطالب مجلس الوزراء باتخاذ قرار حاسم يقضي بتحويل المحاضرين المجانيين إلى عقود دائمة وإنهاء مظلوميتهم ومعاناتهم التي طالت”.

وأضاف “الأساتذة المحاضرون قدموا خدمة جليلة للأسرة التعليمية وللواقع التربوي في البلاد ولأبنائنا وإخوتنا الطلبة بشكل طوعي ومن دون راتب يذكر وخلال ظروف صعبة مر بها بلدنا”.

وتضمنت موازنة 2021 بندا باسم منحة تقدم لـ”المحاضرين” بالعقود المؤقتة من دون توضيح آلية توزيعها، وهو ما رفضته نقابة المعلمين.

وقال مالك هادي ممثل “المحاضرين المجانيين” في تصريح صحافي إنه يوجد 140 ألف معلم يعملون بالمجان في قطاع التربية والتعليم. وفي اليوم التالي لإقرار البرلمان للموازنة بدأت الاحتجاجات في محافظات جنوبي العراق ثم اتسعت لتشمل بقية المحافظات.

وموجة الاحتجاجات هذه هي الثانية في ظرف أشهر حيث شهد عدد من محافظات جنوب ووسط العراق مؤخّرا حالة من التمرّد على سلطة المحافظين المرتبطين بالأحزاب وصلت حدّ الإعلان عن إقالتهم (رمزيا) وتعيين بدلاء عنهم تمّ اختيارهم من قبل المحتجّين.

واعتبرت مصادر مواكبة للحراك الاحتجاجي أنّ مطلب تغيير المحافظين الذي أصبح على رأس مطالب المحتجّين يؤشّر على انطلاق مرحلة جديدة من الحراك يتمّ التركيز خلالها على الضغط لإصلاح الحكم المحلّي ذي الصلة المباشرة بحياة سكّان المناطق بعد اليأس من إصلاح النظام ككلّ وفقد الثّقة في السلطات المركزية وقدرتها على إحداث تغيير ملموس في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المحافظات.

ويعني التركيز على منصب المحافظ الضغط على عصب حسّاس للأحزاب الكبيرة الحاكمة وهو ما يفسّر حالةَ الامتعاض الشديد من قبل كبار قادة تلك الأحزاب من الحراك الاحتجاجي الجديد خصوصا وأنّه تفجّر في مرحلة الاستعداد للانتخابات النيابية المبكّرة، حيث سيعسّر وجود محافظين غير تابعين للأحزاب الشيعية الكبيرة من مهمّة الأخيرة في خوض حملات انتخابية على طريقتها التقليدية باستخدام مقدّرات الدولة والإغراء بها أو الضعط عن طريقها لجلب أكبر عدد من الناخبين في المناطق التي تعتبرها تلك الأحزاب خزّانها البشري الرئيسي.

3