الحكومة العراقية عاجزة أم متواطئة مع المعتدين على الإعلام

لجنة وزارية للنظر في الاعتداءات على الصحافيين لم تصدر أي تقرير.
الخميس 2020/10/22
صحافيو "دجلة" نالوا النصيب الأكبر من الاعتداءات

تترك الحكومة العراقية وسائل الإعلام والصحافيين الذين يواجهون الاعتداءات والتهديدات لمصيرهم، دون أي تحرك لحمايتهم في أحسن الأحوال، في حين أن اللجنة المفترض بها البحث في هذه الاعتداءات لم تقم بأي عمل ولم تتواصل مع أي صحافي.

بغداد - يؤكد صحافيون عراقيون أنه لا يمكن الاعتماد على القوات الأمنية لحمايتهم من التهديدات والاعتداءات التي يتعرضون لها على خلفية عملهم الصحافي، بل على العكس كانت الأجهزة الحكومية في الكثير من المرات تساند المعتدين بذرائع مختلفة، بينما اللجنة الحكومية المكلفة بالتحقيق في الاعتداءات على الصحافيين لم تقم بأي عمل يذكر ولم يسمع بها غالبية الصحافيين.

وتؤكد تقارير المنظمات الدولية إضافة إلى شهادات الصحافيين العراقيين أن الحكومة تقف متفرجة أمام الاعتداءات المتواصلة ضد وسائل الإعلام، وأنه لا يوجد أي خطوات فعلية لمنع الاعتداءات خلافا للادعاءات الحكومية.

وقالت بلقيس والي الباحثة المختصة في العراق، بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية إن “اللجنة (حماية الصحافيين) التي تدعي الحكومة أنها أنشأتها إما غير موجودة أو لم تأخذ قط أي خطوات للتحقيق في الهجوم على أي صحافي. وهذا تصرف جائر نظرا إلى أن الصحافيين يواجهون تهديدات كل يوم، منها ما يمس حياتهم”.

ونوهت منظمة العفو في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني الثلاثاء، إلى حادثة إحراق مقر قناة “دجلة” في بغداد بعد أن بثت حفلا موسيقيا في يوم عاشوراء المقدس عند الشيعة. فتعرضت مكاتب القناة المملوكة لجمال الكربولي، وهو سياسي من الأنبار، لأضرار بالغة خلال الحادث الذي وقع في 31 أغسطس.

وتساءلت المنظمة “لكن كيف استجاب المسؤولون العراقيون منذ ذلك الحين لهذا العمل الخطير؟ لم يُحققوا مع من أضرموا النار، بل أصدروا مذكرة توقيف بحق الكربولي، بدعوى أن البث أساء إلى شعائر إحدى الطوائف الدينية بموجب المادة 372 من قانون العقوبات العراقي”.

محمد بولاني: الحكومة لم تفعل أي شيء للأسف وبلدي تقوده مجاميع مسلحة
محمد بولاني: الحكومة لم تفعل أي شيء للأسف وبلدي تقوده مجاميع مسلحة

وتابعت “على مدى السنوات القليلة الماضية، قابلت هيومن رايتس ووتش أكثر من عشرة صحافيين كانوا ضحايا اعتداءات عنيفة، بما في ذلك من قبل القوات الحكومية، ولم يعرف أحد منهم بوجود هذه اللجنة أو تم التواصل معه من قبلها. إذا كانت موجودة، من الواضح أنها لا تأخذ وظيفتها على محمل الجد. بعد إحراق محطة تلفزيونية علنا، ما الذي ينبغي أن يحدث أكثر من ذلك كي تتعامل السلطات العراقية مع هذه الاعتداءات بجدية؟”.

وفعليا لم يذكر أحد من الصحافيين وجود هذه اللجنة، بل جاء فقط في خطاب السفارة العراقية في بيروت لمكتب منظمة مراقبة حقوق الإنسان في بيروت في الثامن من أكتوبر الجاري، حيث نقلت السفارة رد وزارة الداخلية العراقية على تقرير أعدته المنظمة قبل ستة أشهر عن عدد الملاحقات المتزايد ضد الصحافيين بموجب قوانين التشهير والتحريض في البلاد.

وجاء في الرد أن الحكومة شكلت لجنة وزارية “للنظر في قضايا الاعتداءات على الصحافيين” في 2016. وأن اللجنة لا تزال تعمل، لكنها لم تقدم أدلة على أي تقارير أو نتائج أخرى من قبل اللجنة.

وقال موظفون في قناة دجلة إنهم تلقوا تهديدات عديدة عبر مكالمات هاتفية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وأن رجالا مسلحين أتوا بحثا عنهم. وقد أجبرتهم هذه التهديدات الآن جميعا على الاستقالة من وظائفهم، من خلال منشورات علنية على فيسبوك. لكن حتى هذا لم يكن كافيا لوقف التهديدات، فقد فر ثلاثة الآن من منازلهم.

وأفاد أحد الموظفين أنه بعد أن طلب محافظ الديوانية من الدوائر الحكومية “عدم التعامل مع قناة دجلة”، لم يعد بإمكانه الاعتماد على قوات الأمن المحلية للحفاظ على سلامته. في محافظة واسط، حيث يقيم موظف آخر، دعا المحافظ قوات الأمن إلى منع أي شخص يحمل شارة قناة دجلة من تغطية ما يحدث في المحافظة.

وأكد المصور الصحافي محمد بولاني العامل في القناة ما جاء في التقرير، وعلق في تغريدة على تويتر “لا يمكننا العودة لمنازلنا بسبب التهديدات التي نحصل عليها في الواقع ومواقع التواصل الاجتماعي من بعض الميليشيات المسلحة في الديوانية والحكومة لم تفعل أي شيء للأسف، وبلدي تقوده مجاميع مسلحة”.

وتعتبر حادثة الاعتداء على قناة دجلة واحدة من الحوادث اليومية التي يتعرض لها الصحافيون أو وسائل الإعلام والناشطون على مواقع التواصل، وقد ذهب ضحيتها أربعة إعلاميين منذ مطلع العام الحالي 2020 ، وهذا ما جعل مخاوف الصحافيين على حياتهم وأسرهم جدية.

من جهتها، ذكرت منظمة مراسلون بلا حدود في تقرير حديث، أن “التهديدات باتت تنهال على الفاعلين الإعلاميين من كل حدب وصوب في محاولة لثنيهم عن القيام بعملهم. ففي ظل تعنت الشخصيات السياسية والدينية التي تعتبر نفسها مقدسة وغير قابلة للانتقاد، يتعرض الصحافيون للملاحقات ووسائل الإعلام لمنع النشر أو البث بتهمة ‘إهانة رموز وطنية أو دينية'”.

وأضافت أن “اغتيالات الصحافيين تمر دون أي عقاب، علماً بأن التحقيقات التي تُفتح بشأنها لا تؤدي إلى أي نتائج مجدية، بحسب أقارب الضحايا”.

وتابعت “بل إن الوضع أكثر خطورة مما يبدو، حيث توجد الدولة في موقف ضعف إلى حد يجعل من المستحيل تحديد ما إذا كانت الميليشيات العديدة المتدخلة في الساحة العراقية تعمل لمصلحة الحكومة أم أن الوضع يخرج بالفعل عن سيطرة السلطات، التي لم تدخر جهداً في منع أي بث مباشر وتعطيل خدمة الإنترنت وفرض حظر التغطية على العشرات من المنابر الإعلامية بموجب قرار اتخذته هيئة تنظيم الإعلام”.

18