الحكومة اللبنانية الجديدة والخطاب التأسيسي الذي سبقها

الأربعاء 2014/02/19

كان مهمّا تشكيل حكومة لبنانية بعد مماحكات استمرّت عشرة أشهر وعشرة أيّام. مثل هذه الحكومة يمكن أن تفتح الأبواب أمام انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بدل أن تكون ممرّا في اتجاه لبنان نحو المجهول عن طريق تكريس الفراغ في الموقع الأول في البلد، أقلّه من الناحية النظرية.

كان البيان الصادر عن رئيس مجلس الأمن بعيد الإعلان عن تشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس تمّام سلام، مؤشرا على مدى الاهتمام الدولي بعدم سقوط لبنان في فخّ الفراغ. فالبيان ركّز على ثلاث نقاط هي ضرورة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والنأي بالنفس عن التدخل في سوريا، والاحترام الدقيق لنص قرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي أوقف العمليات العسكرية صيف عام 2006. وهذا يعني في طبيعة أن صيغة “الشعب والجيش والمقاومة” التي ابتدعت من أجل تبرير بقاء لبنان “ساحة” للنظامين السوري والإيراني مرفوضة من المجتمع الدولي مثلما أنها مرفوضة من معظم اللبنانيين الذين يعادون التبعية بكلّ أشكالها.

يرفض المجتمع الدولي هذه البدعة التي سعى “حزب الله” ولا يزال يسعى إلى تضمينها للبيان الوزاري من أجل إبقاء لبنان سلعة يتاجر بها النظامان في سوريا وإيران على حساب كلّ لبناني وكلّ عائلة لبنانية تطمح إلى مستقبل أفضل لأبنائها. ويعرف اللبنانيون معنى الاستعانة بهذه الصيغة من أجل نشر البؤس في الوطن الصغير وتهجير أهله مسلمين ومسيحيين من أرضهم خدمة لمشروع يصبّ في شراء أكبر مساحة من الأراضي اللبنانية لمصلحة طرف خارجي لا حاجة لتسميته.

إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم التحديات التي تواجه اللبنانيين، خصوصا بعدما صار “حزب الله” دولة… والدولة اللبنانية دويلة، يمكن القول إن الوصول إلى مثل هذه الحكومة يعتبر إنجازا. فاللبنانيون الصادقون فاوضوا من أجل تشكيل حكومة لا ترضي بالطبع الأكثرية، فيما سلاح “حزب الله” مصوّب إلى صدورهم العارية. كانت مفاوضات تحت تهديد السلاح لا أكثر. قبلوا أخيرا بالحكومة التي سماها الرئيس سعد الحريري قبل تشكيلها، حكومة “ربط نزاع″. ليست هناك أية أوهام من أيّ نوع كان في شأن ماذا يمثّل “حزب الله” في هذه الحكومة، هو وأدواته المعروفة. معروف جيّدا كيف تدار هذه الأدوات ونوع المحروقات النظيفة جدا التي تسيّرها.

لا شكّ أن الحكومة تضمّ وزراء أكثر من جيّدين يشكّلون ضمانة لكلّ لبناني. فالرئيس تمّام سلام عنوان للوفاق والشيخ بطرس حرب لا يحتاج إلى شهادة من أحد، كذلك اللواء أشرف ريفي والزميل نهاد المشنوق الذي ينتمي إلى مدرستي المرحومين رفيق الحريري وتقيّ الدين الصلح. هناك عدد لا بأس به من الوزراء الذين يتمتعون بكلّ الصفات التي يفترض أن يتمتّع بها الوزراء. ولكن هناك للأسف وزراء يصعب على المواطن اللبناني تصديق أنّ لهم أية علاقة بحدّ أدنى من المواصفات التي يفترض توافرها لدى من يشغل مثل هذا المنصب الرفيع المستوى.

مرّة أخرى، كان مهمّا تشكيل حكومة، خصوصا أن مثل هذه الحكومة يمكن أن تسهّل انتخاب رئيس جديد للجمهورية وذلك عبر تأكيدها أن مؤسسات الدولة، أو الدويلة، لا تزال تعمل في ظلّ الظروف الصعبة التي يجتازها لبنان.

ولكن ما لا يمكن تجاهله أنه قبل 24 ساعة من الإعلان عن ولادة الحكومة، كان الخطاب التأسيسي الذي ألقاه الرئيس سعد الحريري والذي ركّز فيه على “الاعتدال”. كان بالفعل خطابا استثنائيا نظرا إلى أنه صارح اللبنانيين بأنه يدخل الحكومة، عبر “تيّار المستقبل” من أن تكون لديه أية أوهام في شأن ما يمثّله “حزب الله”، الطرف الآخر في المعادلة.

قد يكون أهم ما قاله سعد الحريري أن ممارسات الحزب لا يمكن أن تدفع إلى التفكير بالثأر أو الانتقام، مهما تغوّل بدم اللبنانيين. السنّة في لبنان أهل اعتدال أوّلا. ولذلك كان هذا الحرص على الإشارة إلى أن لاهاي (حيث تنعقد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان) “حرّكت فينا أوجاع كلّ الاغتيالات، من رياض الصلح. إلى محمّد شطح، لكنّها لم تحرّك، وبحمد الله، أي شعور أو رغبة في الثأر والانتقام. أيّها الرفاق والأحبّة في تيّار المستقبل، إن تيّار المستقبل إنّما يكون على صورة رفيق الحريري أو لا يكون”.

كان خطاب سعد الدين رفيق الحريري خطابا يستهدف العودة إلى لبنان، صدر عن رجل مستهدف، تماما كما كان والده مستهدفا. كان خطابه دعوة إلى وقف التدخل في سوريا والمشاركة في ذبح الشعب السوري من منطلق طائفي ومذهبي ليس إلّا. كان خطابه من أجل حماية أبناء لبنان الذين يرمي بهم “حزب الله” في آتون الحرب السورية. قال بالفم الملآن: “نحن من مدرسة تفتدي الوطن بالأرواح ولسنا من مدرسة تفتدي الحزب أو الطائفة بالوطن. وكما يرفض تيّار المستقبل أن يكون على صورة حزب الله، فإننا نرفض أيضا أن نكون على صورة داعش أو النصرة ونرفض أية دعوة لإقحام تيّار المستقبل والسنّة في لبنان بالحرب الدائرة بين حزب الله والقاعدة”.

لم يسبق لزعيم لبناني، وحتى عربي أن قال مثل هذا الكلام الواضح والصريح والجريء والبسيط الذي يحدّد جوهر الخلاف مع الطرف الذي يسعى إلى جعل لبنان امتدادا للمحور الإيراني- السوري. يسعى إلى جعله أيضا ساحة للاغتيالات ويدفع في اتجاه حلف الأقلّيات على حساب الهوية العربية الحضارية في المنطقة، أو ما بقي منها.

ليس صدفة تذكير سعد الحريري برياض الصلح الزعيم السنّي وبطل الاستقلال. فمسلسل الاغتيالات الذي بدأ وقتذاك، في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، مستمرّ إلى اليوم. ومع ذلك، سيبقى الاعتدال سيّد الموقف وسيبقى زعيم لبناني مسلم يقول “نرفض الفراغ الرئاسي. نحن مدرسة تعتبر الرئيس المسيحي الماروني اللبناني رمزا للعيش الواحد بين المسلمين والمسيحيين والذي نعلن تمسّكنا به أساسا للبنان”.

لا يمكن للبنانيين إلا أن يفرحوا بالحكومة الجديدة. عليهم في الوقت ذاته أن لا ينسوا الخطاب الواضح والصريح الذي أسّس لولادة الحكومة في ظروف اقتضت تقديم تضحيات كبيرة، لعلّ وعسى يساعد ذلك في عودة اللبنانيين، جميع اللبنانيين إلى لبنان…


إعلامي لبناني

8