الحكومة اللبنانية بين تكريس الغلبة والواقعية السياسية

نجح حزب الله في أن يفرض توقيته الخاص على المشهد الحكومي. وحرص على أن يرتبط الإفراج عن الملف الحكومي العالق بسقوط مدينة حلب في يد المحور الذي ينتمي إليه، ويحارب لصالحه في الميدان السوري. وأوعز الحزب لوسائل الإعلام المقربة منه بأن تسمي الحكومة “حكومة حلب”، وأن تصور خروجها إلى النور بالصيغة الثلاثينية التي تضمنت إدماج وجوه تابعة للرئيس السوري بشار الأسد بوصفها هزيمة للقوات اللبنانية، وعملية تحجيم لرئيس تيار المستقبل سعد الحريري، وإنهاء فريق 14 آذار.
الخميس 2016/12/22
حكومة الأمر الواقع

بيروت – تعكس تركيبة الحكومة اللبنانية ما ذهب إليه حزب الله لناحية كونها انعكاسا لواقع انتصاره في الميدان السوري؛ فهو يقبض على زمامها بقدرته على إسقاطها من خلال الثلث المعطل المتوفر له عبر تحالفاته في حال استثنينا منها وزراء التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية، ويمسك بالأغلية الساحقة فيها في حال أضفناهم.

وتدافع القوى التي دخلت في الحكومة عن خضوعها لهذا الواقع عبر عدة عناوين، فتيار المستقبل يضع لمشاركته فيها عنوان الواقعية السياسية وتفعيل عمل المؤسسات، ويجاريه في ذلك حزب القوات اللبنانية.

وتتبع كتلة التنمية والتحرير السياق الذي رسمه رئيس البرلمان نبيه بري لناحية النظر إلى الحكومة بوصفها المسرح الذي تخاض عليه معركة قانون النسبية الكاملة، الذي يتشارك مع حزب الله في الدفع في اتجاه إقراره.

ويعتبر حزب الكتائب، الذي لم يشارك في الحكومة، أن القوى السياسية خضعت تحت وهج السلاح، فيما يؤكد المنسق العام لقوى 14 آذار فارس سعيد أن هذه الحكومة ليست سوى حكومة وصاية إيرانية سورية على لبنان.

يعلن التناقض الكبير في أجندات القوى المشاركة في الحكومة، إضافة إلى قراءات القوى التي لم تشارك، بوضوح أن الحكومة لا تعكس مناخا من التسويات بل تعبر،على العكس من ذلك، عن تحول الأزمات إلى حكومة.

قوانين الانتخاب

تسعى القوى السياسية المشاركة في الحكومة وضمن شبكة تحالفاتها إلى إقرار قانون انتخابي يلائم مصالحها، ويحافظ على وجودها وتمثيلها. وقد سيطرت مؤخرا عبارات من قبيل “التمثيل الصحيح” و”حقوق الطائفة” على النقاش المرافق للترويج للقوانين الانتخابية المختلفة، التي يعتبر كل فريق أنها تؤمن له موقعا خاصا في البرلمان الجديد، أو تضمن له المحافظة على مواقعه.

وتشير التقديرات إلى أن الصراع انحصر بين قانون النسبية الكاملة، الذي يطرحه حزب الله وحركة أمل بالتوافق مع التيار الوطني الحر، وبين القانون المختلط الذي يتوافق حوله تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية واللقاء الديمقراطي.

يؤكد فادي كرم، النائب عن كتلة القوات اللبنانية أن “قانون النسبية الكاملة الذي يطرحه حزب الله وحركة أمل هو قانون لا يمكن أن يمر. من يصر على طرحه يهدف إلى الإبقاء على قانون الستين. هذا القانون مرفوض ليس لأننا نخاف من تأثيره على حجم حضورنا، ولكن لأننا نعتبر أنه لا يؤمن التمثيل الصحيح لمختلف فئات الشعب اللبناني في ظل وجود السلاح والاستقواء”.

فادي كرم: قانون النسبية الكاملة الذي يطرحه حزب الله وحركة أمل لا يمكن أن يمر

وهذا القانون، وفق كرم “غير مقبول من فرقاء أساسيين في لبنان لذا فإنه لن يمر، والتسوية ستكون على القانون المختلط. هناك بعض الترتيبات المرتبطة به، ويجب التوافق عليها قبل التوصل إلى إقراره، وهو قانون متوازن وقائم على التوفيق بين الصيغة التي كان قد طرحها سابقا أحد نواب حركة أمل، والقانون المطروح من قبلنا والذي يحظى بتأييد تيار المستقبل”.

ويذهب علي خريس، النائب عن كتلة التنمية والتحرير، إلى جعل معركة إقرار قانون النسبية الكاملة هدفا رئيسيا لعمل الكتلة في الحكومة. ويشرح موقفه قائلا “عنوان الحكومة بالنسبة إلينا هو خوض معركة إقرار قانون النسبية الكاملة، ومشروعنا هو لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية. نحن سندفع مع حلفائنا في الحكومة في اتجاه إقرار هذا القانون. نؤكد أنه لا يمكن إحداث تغيير إيجابي يؤمن صحة التمثيل من خلال أي قانون سواه. نحن سنفعل المستحيل من أجل إقراره. كلمة النسبية الكاملة هي مفردة أساسية عندنا”.

ويرفض خريس الآراء التي تجعل من قانون النسبية عنوانا لصراع داخل الحكومة الجديدة. ويؤكد أنه “ليس صحيحا أن هذا القانون سيفرض مواجهة داخل الحكومة، فكتلة التيار الوطني الحر تميل إلى تبني هذا الطرح، ورئيس تيار المستقبل سعد الحريري أشار مؤخرا إلى النسبية ولو في صيغة تختلف عن طرحنا”.

يعتبر فارس سعيد أن حزب الله يسعى إلى إقرار قانون انتخابي يضمن من خلاله “شرعنة سلاحه، وتحويل الجيش اللبناني إلى شرطة داخلية في حين يستمر هو بدوره كجيش الحدود”. ويذكّر بمسألة تشريع الحشد الشعبي في العراق منذ فترة وجيزة بوصفها تجربة يراد استنساخها في لبنان حيث “شرّع مجلس النواب العراقي سلاح الحشد الشعبي، وصار تاليا على العراق أن يتعامل مع جيشين شرعيين، أحدهما هو الجيش الرسمي والآخر هو جيش الحشد الشعبي. الطموح نفسه هو ما يريد حزب الله تحقيقه من خلال فرض إجراء الانتخابات النيابية القادمة وفق قانون مفصل على مقاسه”.

سمى الإعلام الذي يدور في فلك حزب الله الحكومة “حكومة حلب”. ولكن كان لافتا أن هذا التوصيف لم يخرج عن أي مصدر رسمي أو عن أي شخصية سياسية تنتمي إلى صفوفه صيغة تتوافق مع هذه الصيغة أو ترددها. وبقي عنوان حكومة”الوحدة الوطنية” هو العنوان الغالب على توصيف كل القوى السياسية للحكومة الوليدة.

تنظر بعض القراءات إلى هذا المسار بوصفه تأكيدا على نوايا التسوية والتهدئة في حين تعتبر وجهات نظر أخرى أن التوصيف لا معنى له في ظل حسم هوية الحكومة لصالح فريق الممانعة.

ويعرب علي خريس، عضو كتلة التنمية والتحرير عن عدم موافقته على “العنوان الذي أبرزه بعض الإعلام المحسوب على حزب الله لناحية تصوير الحكومة بوصفها حكومة حلب. وهذه الحكومة ليست حكومة حلب بل هي حكومة لبنان، وهي حكومة وحدة وطنية. وخطاب المنتصر والمهزوم هو خطاب مرفوض عندنا، ويمكنني تأكيد أن حزب الله لا يفكر بهذه الطريقة، وأن هذا المنطق مرفوض بالنسبة إليه”.

ولا يشك فارس سعيد في أن هذه الحكومة هي “حكومة النظام الأمني السوري الإيراني وحكومة الغالب. حزب الله انطلق في تسميته لها بأنها حكومة حلب من عقلية تطمح إلى توظيف الانتصار في حلب بوصفه انتصارا في لبنان كذلك. وما لا يعرفه الحزب أن تاريخ لبنان حافل بتنظيمات عسكرية حاولت أن تفرض وجهة نظرها على جميع اللبنانيين ولكنها فشلت”.

ويضيف سعيد “من هنا فإن النبرة الاستعلائية التي يعتمدها الحزب منذ وصول الجنرال عون وسقوط حلب وصولا إلى تشكيل الحكومة لا تعكس سوى واقع غلبة يريد تعميمه، في حين أن تاريخ البلد يقول إن الأمر لا يعدو كونه مغامرة أخرى من مغامرات العسكرة التي لم تنجح يوما”.

ويؤكد المنسق العام لقوى 14 آذار أن حزب الله “نجح في توظيف انتصاره في سوريا على هيئة غلبة في لبنان، ولكن السؤال هو حول دوام هذه الغلبة واستمرارها. حزب الله يعتبرها ثابتة ونهائية وأنا أصر على أنها لا يمكن إلا أن تكون عابرة ومرحلية”.

الكتائب خارج الحكومة

يربط فادي الهبر، النائب عن حزب الكتائب، بين عدم مشاركة الكتائب في الحكومة وبين هويتها التي تقوم على “تغطية هيمنة حزب الله في إطار صفقة تقاسم سلطة شارك فيها التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية، ما ساهم في إعطاء حزب الله غلبة، ضمن شروط لا تستقيم مع مصلحة الكيان اللبناني، ومع مشروع دولة القانون والمؤسسات”.

ويؤكد أن “الكتائب بشكل عام تزعج العهد، وكانت مزعجة كذلك في الحكومة السابقة، لأن العناوين التي تطرحها مرتبطة بمحاربة الفساد. مشروع الكتائب هو مشروع دولة مكتملة الأركان على مستوى السيادة والإدارة والقوانين، وعلى مستوى تحييد لبنان، ورفض وجود جيش شيعي في لبنان، في حين أن القوى السياسية المشاركة في الحكومة الحالية خضعت لوهج السلاح، الذي فرض عليها هوية لا تتناسب مع طروحاتنا”.

لكن، خالد زهرمان، النائب عن تيار المستقبل، يؤكد أن “التعاطي في الأمور بصيغة الخاسر والمنتصر لا يجدي، فلحظة التسوية قامت على أساس تشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة كل التحديات الأمنية. لبنان هو بلد تسويات وليس هناك صيغ انتصارات يمكن أن تحكمه. لقد قدمنا تنازلات في سبيل المصلحة اللبنانية العليا، وكل الكلام حول أن هذه الحكومة هي حكومة سقوط حلب أمر مرفوض، خصوصا أننا لا نزال على مواقفنا الرافضة لتدخل حزب الله في سوريا، ورفضنا السلاح غير الشرعي في البلد”.

ويربط زهرمان بين هوية الحكومة وبين المناخ الذي يتوقع أن يعكسه بيانها الوزاري الذي سيردد أصداء ما جاء في خطاب القسم. ويؤكد أن التفاهم بين الرئيسين عون والحريري من شأنه أن ينسف المنطق الذي يريد أن يجعل من الحكومة “حكومة حلب” ويحولها إلى حكومة وحدة وطنية فاعلة ومنتجة.

ويقول في هذا الصدد “البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري سيعكس المبادئ التي نادى بها الرئيس ميشال عون في خطاب القسم، والذي كان يتضمن إدانة لتدخل الحزب في سوريا وللسلاح غير الشرعي، وليس شرعنة”.

ويضيف “لا بد من التفريق بين صورة العماد عون قبل الرئاسة وبعدها؛ فالعماد عون رئيس يسعى إلى لعب دور الحكم والضامن للجميع، وعدم الانحياز لأي طرف على حساب طرف آخر. لعل هذه النزعات التي عبر عنها الرئيس تضيء على طبيعة الأداء السياسي الذي يمكن ان يقدمه مع فريقه السياسي في مقاربة الشأن الحكومي. قد يكون وضوح نية رئيس الجمهورية في التفاهم مع رئيس الحكومة لتحويل الحكومة إلى حكومة منتجة، هو ما أثار حفيظة البعض ودفعهم إلى محاولة منح الحكومة طابع انتصار فريق على فريق، وإطلاق تسميات معينة عليها من قبيل حكومة حلب أو غيرها من التسميات التي لا تعكس واقع الحكومة ولا طبيعتها”.

واقعية سياسية وأولويات

استعملت عدة أطراف سياسية صيغة الواقعية السياسية لتبرير مشاركتها في الحكومة. وتقوم هذه الفكرة على معادلة مفادها أن إنهاء الفراغ الحكومي هو أمر حافل بالإيجابيات بغض النظر عن شكل الحكومة وصيغتها، والشخصيات المشاركة فيها.

فادي الهبر: حزب الكتائب اختـار أن يكون في موقع المعارض للحكومة

وتصر القوى الداعمة لهذا التوجه على تأكيد أن الملفات الحياتية والاقتصادية الملحة ستفرض نوعا عاما من التوافق الذي سينعكس إيجابا على تسهيل مسار العمل الحكومي، بغض النظر عن الخلافات السياسية، لأن هذه الملفات عامة ومشتركة، والإخلال بها يضر بمصالح الجميع.

ولا يوافق فارس سعيد على هذا العنوان، ويعتبر أن الأطراف المحسوبة على تيار 14 آذار بررت مشاركتها في الحكومة انطلاقا منه ولكنه “غير متحقق على الإطلاق، وكان من الأفضل لجميع القوى السيادية ألا تتشارك مع حزب الله في السلطة، لأنه إذا كان منتصرا كما يقول فلماذا لا يستطيع أن يذهب وحده إلى البنك الدولي وإلى الأمم المتحدة ويسيّر شؤون اللبنانيين”.

بينما يقول فادي كرم إن القوات “تنظر إلى موضوع المشاركة في الحكومة من خلال منطق الواقعية السياسية، فهذه الحكومة جاءت نتيجة لتفاهمات بين مختلف القوى السياسية، وتاليا فإن الجميع يعتبرون أنفسهم رابحين. نحن نعتبر أننا نشكل مع حلفائنا في تيار المستقبل والتيار الوطني الحر أغلبية في الحكومة، ولا يعني ذلك أننا نطمح إلى تحقيق مكاسب ضد فريق معين”.

ويضيف “تتلخص أولويات الحكومة في تنظيم الانتخابات النيابية في وقتها والتنسيق مع مجلس النواب من أجل التوصل إلى إقرار قانون انتخابي جديد في أقرب وقت، كما أن الضرورة الملحة ستفرض نفسها على جميع الأفرقاء لناحية الإسراع في معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية”.

ويقول خالد زهرمان إن” تيار المستقبل يؤمن بأن وجود الحكومة وشروعها في معالجة القضايا الملحة يبقيان أفضل من الفراغ الذي كان سائدا والذي كان يتسبب بشلل عام. الأمن والاقتصاد هما أبرز أولويات الحكومة وخصوصا في ظل ورود مؤشرات اقتصادية سلبية، تنذر بانهيار الاقتصاد ما لم تتم معالجتها بالسرعة القصوى”.

ويؤكد علي خريس أن أولويات الحكومة بعد إقرار قانون النسبية الكاملة هي “إقرار مشروع الموازنة، وتحريك المؤسسات، وتعبئة الفراغات الإدارية، وهي ملفات يمكن أن تتحقق إذا توفرت الإرادة اللازمة”.

لكن فادي الهبر لا يرى أن الحكومة تضع لنفسها أولويات واضحة. ويشكك في نجاحها في معالجة أي من القضايا، سواء السياسية الكبرى، أو الحياتية والاقتصادية والأمنية. ويرجع سبب ذلك إلى أنها “لا تدار بشكل يلائم منطق المؤسسات ودولة القانون، بل وفق توجهات فريق معاد لهذا المنطق. من هنا لا نتوقع أن تنجح في معالجة أي من القضايا الملحة، لأن عناصر الفشل والتعطيل تدخل في صلب تكوينها”؛ وبالتالي اختار الكتائب أن يكون في الموقع المعارض للحكومة.

كاتب لبناني

6