الحكومة اللبنانية ترتكب "مجزرة" مالية تحت جنح الجائحة

أخطر ما يطال لبنان اليوم، إلى جانب سياسة إدارة الظهر التي تمارسها الدول العربية تجاهه، هو ما يمكن أن يوصف بعملية انقضاض من قبل السلطة على أموال المُودعين.
الثلاثاء 2020/04/14
استغلال جائحة كورونا لمزيد خنق اللبنانيين

صحيح أن جائحة كورونا يطفو همها على ما عداها من الأولويات، إلا أن مستقرها يحمل خطاً استغلاليا لها في لبنان ربما خلافاً لكل الكرة الأرضية. فالعهد وحكومته وساسته يتركون الشعب يواجه مصيره على “ما يقدر الله”، ما عدا بعض الإجراءات الشكلية المسيسة، والعبثية والفوضوية التي لا يُركن إليها، وتتفرغ تحت جنح الوباء إلى محاولة خنق انتفاضة اللبنانيين إثر سكونها المؤقت لاضطرار الشباب إلى الانسحاب من الشارع تحت وطأة الفايروس.

السياسيون الذين عرّتهم الانتفاضة وفضحت سرقاتهم لمقدرات الدولة وخزينتها، ظنوا أنه الوقت المناسب لخروجهم من القمقم الذي حشروا أنفسهم فيه تحت صيحات المنتفضين، وأنه آن الأوان للاقتصاص منهم وشفط ودائعهم وبالقانون.. “ما أدراك ما القانون”.

إذاً فإن عملية الانقلاب على انتفاضة 17 أكتوبر مستمرة في لبنان، حيث وفرت جائحة كورونا فرصة لاستكمال هذا الانقلاب من خلال استثمار إجراءات مواجهة هذه الجائحة في المزيد من تفعيل عملية الانقضاض على مطالب التغيير والمحاسبة عبر تعزيز سلطة القضاء من جهة، ولجم الهدر والفساد واستعادة ما تم نهبه من أموال عامة سواء كانت منقولة أو غير منقولة.

بداية الانقلاب تمثلت في الإتيان بحكومة، قيل إنها من مستقلين، لكن الواقع كشف مدى طواعية الحكومة للسلطة الحاكمة والمتحكمة بمفاصل السلطة والقرار، وبدا رئيسها حسان دياب، شديد الحرص على كسب رضا الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، الذي حرص في المقابل، على رمي فتات الرضا في كل إطلالة من إطلالاته المتعددة خلال الشهرين الماضيين، فيما أكدت الحكومة في سلوكها السياسي والإداري، أنها تعمل وتتحرك تحت سقف التوجيه السياسي “للثلاثي غير المرح” بحسب توصيف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، للحلف الذي يديره حزب الله والذي يضم إضافة إليه رئيس الجمهورية ميشال عون وملحقاته ورئيس مجلس النواب نبيه بري وحركته.

يترافق هذا الانقلاب المستمر مع أزمة غير مسبوقة معيشيا واقتصاديا، ترسّخت في عجز المودعين عن سحب ودائعهم من البنوك، وفي انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى حدّ النصف مقارنة بما كانت عليه، بحيث كان سعر صرف الليرة اللبنانية خلال النصف الأول من العام الماضي يساوي ما يزيد قليلاً عن ألف وخمسمئة ليرة، ولامس اليوم سعره في السوق غير الرسمي نحو ثلاثة آلاف ليرة لبنانية. وأضف إلى هذا الانخفاض الذي أدى عملياً إلى سرقة نصف قيمة أموال المودعين بالليرة اللبنانية، فقد أدى انخفاض سعر العملة إلى “تشليح” موظفي القطاع العام والخاص إلى حدّ كبير نحو نصف رواتبهم.

لم تكتف الحكومة بالوقوف كشاهد على هذه المجزرة، التي كانت سببت المزيد من إغلاق أبواب المؤسسات الاقتصادية والتجارية الخاصة، وأدت إلى انضمام عشرات الآلاف من المواطنين العاملين، إلى صفوف العاطلين عن العمل، وجاءت جائحة كورونا لتضيف على البلاءات اللبنانية بلاءً من نوع جديد، وإنْ كان في مواصفاته وخصائصه من حيث الانتشار والإيذاء يشبه تلك السياسات السلطوية المتمادية في لبنان، والتي أدت إلى إفقار اللبنانيين وإلى تعطيل الحياة العامة والاقتصادية، وتصديع بنيان الدولة في سبيل تعزيز المافياوية كنموذج للحكم على حساب الدستور والقانون، وبالطبع على حساب الشعب.

لعل أخطر ما يطال لبنان اليوم، إلى جانب سياسة إدارة الظهر التي تمارسها الدول العربية تجاهه، هو ما يمكن أن يوصف بعملية انقضاض من قبل السلطة على أموال المُودعين، وهو سلوك يعكس ذهنية السلطة التي تأبى أن تنحو نحو إصلاح حقيقي، أي الذهاب نحو مكامن الفساد والنهب، لتتجه مجددا نحو الشعب في سبيل المزيد من نهبه ودائما بغاية حماية السلطة.

ما يمكن أن يُسمى انقلاباً أيضاً، يتمثل في سعي السلطة التي يديرها حزب الله إلى رسم معالم صراع سياسي وهميّ، بغاية الانقلاب على الاصطفاف الذي فرضته انتفاضة اللبنانيين، بين سلطة وشعب، فيما السلطة اليوم تفتعل رسم اصطفاف وهمي، بين سلطة سياسية حاكمة يمثلها “الثلاثي غير المرح”، في مقابل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف.

هذا الاصطفاف المصطنع، يجري تحميله أبعاداً دولية، بحيث يتم الترويج على أنه يمثل جبهتي واشنطن وطهران في لبنان، وهو توصيف يفتقد إلى الدقة؛ ذلك أن حاكم مصرف لبنان كما المصارف، لَيْسَا خارج السلطة ونفوذها، فالمصارف تكتسب قوتها ونفوذها من كونها تمثل تحالفاً عميقا بين رجال السلطة ورجال المال، فيما الحاكم ليس إلا مُنفذا لتوجهات الحكومة والسلطة التي طالما كان مستجيباً لمتطلباتها في توفير الاستدانة لها من أموال المصارف التي هي في الأصل أموال المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين في هذه المصارف.

إعادة رسم معادلة الاصطفاف السياسي على هذه القاعدة الوهمية، تستبطن في جوهرها، ضرب الانتفاضة كما بدا واضحاً، واستكمال الانقلاب عليها، واستدراج تسوية مع الأميركيين تتيح استمرار قبضة إيران على المعادلة السلطوية في لبنان.

يبقى أن ما تحاول إيران فعله من خلال حزب الله، هو إعادة إنتاج معادلة السلطة شكلاً، أي المحافظة على نفوذ ولو محدود للقوى السلطوية الطائفية، ولكن من دون المسّ بدور الوصاية والنفوذ الإيرانيين. وهذه محاولة تعني أن خيارات الإصلاح في لبنان غير مطروحة على بساط البحث، فأقصى ما يمكن أن يقدمه حزب الله للبنانيين، هو وعود التخفيف من مستويات النهب للمال العام، والمزيد من الإفقار، على قاعدة أن البقاء في السلطة هو أثمن ما يمتلكه الحزب اليوم، والإفقار هو أحد وسائل السيطرة، بل سبيل لاستمرار النفوذ، وسلطة لا تقوم على قواعد الدستور والقانون والانتماء الوطني، بل على الاستئثار ومصادرة القرار والاستفراد.

من هنا يبدو واقعياً في أهداف السلطة خيار الاقتطاع من الودائع في المصارف، بعدما تمّ تهريب أو سحب 18 مليار دولار تقريبا خلال العام 2019 من الحسابات إلى الخارج، وهي في معظمها لكبار المودعين، أي من الذين أدركوا أن الانهيار المالي حاصل في لبنان، على الرغم من التطمينات الكاذبة التي كان يطلقها حاكم مصرف لبنان عن وضع الليرة المستقر.

الأموال التي أُخرجت من لبنان هي التي تحظى برعاية السلطة وأقطابها وبشراكة منها أيضاً، وما بقي من ودائع في لبنان جرى تجميده، وتحوّل إلى رهينة بيد السلطة التي قررت الاقتطاع منه وهي اليوم تنظم هذه العملية من خلال إكراه الشعب على التسليم بنهبه مجدداً، لصالح وصاية خارجية وإدارة “مافياوية” لا تنتمي في تفكيرها وسلوكها إلى نموذج الدولة، ولا إلى فكرة الدستور والقانون.

9