الحكومة اللبنانية في مهمة مستحيلة لترقيع الأزمة المالية

دعم حزب الله وحلفائه للحكومة الجديدة قد يعرقل حصول لبنان على تمويلات أجنبية لدعم الخزانة العامة.
الجمعة 2020/01/24
الهروب إلى الاقتراض يعمق أزمة الليرة

أجبرت الأزمة الاقتصادية الخانقة الحكومة اللبنانية الجديدة على البحث عن مصادر تمويل لردم الفجوة في التوازنات المالية في ظل تعطل محركات الإنتاج والنمو والشلل الكلي في النظام الصرفي، بفعل التجاذبات والاحتجاجات الشعبية التي تجتاح البلاد منذ أكثر من 3 أشهر.

 بيروت - تكشف معظم المؤشرات وتحليلات الخبراء أن الحكومة اللبنانية، التي تمت الموافقة على تركيبتها في وقت سابق هذا الأسبوع بعد ماراثون من المفاوضات لتشكيلها، ستواجه تركة اقتصادية ثقيلة لا أحد يتكهن كيف ستتمكن من حل عقدها.

وستكون حكومة حسان دياب، المدعومة من حزب الله، الذي تعتبره الولايات المتحدة ودول الخليج جماعة إرهابية، أمام موقف سياسي صعب عندما تتحرك لضمان الحصول على تمويل خارجي ضروري لمنع حدوث انهيار مالي وشيك، وربما تتطلع إلى مساعدة من صندوق النقد الدولي.

وتأتي هذه المساعي بينما تواجه الحكومة احتجاجات تزداد عنفا ضد النخبة السياسية، التي قادت لبنان إلى أسوأ أزمة منذ الحرب الأهلية التي دارت من عام 1975 إلى عام 1990.

وقال وزير المالية في الحكومة الجديدة غازي وزني في أول ظهور له أمام الإعلام إن بلاده “تتطلع لتدبير قروض ميسرة من المانحين الدوليين تتراوح بين أربعة وخمسة مليارات دولار لتمويل مشتريات القمح والوقود والأدوية”.

ووجدت الحكومة اللبنانية الجديدة نفسها أمام أزمة مالية غير مسبوقة امتدت تداعياتها إلى فرض البنوك قيودا على عمليات السحب والتحويل وتراجع الليرة اللبنانية مقابل الدولار.

غازي وزني: الحصول على القروض سيغطي احتياجات البلد لمدة عام
غازي وزني: الحصول على القروض سيغطي احتياجات البلد لمدة عام

ونسبت وكالة رويترز لوزني قوله “سنطلب من المانحين الدوليين تزويد لبنان بقروض ميسرة بين أربعة وخمسة مليارات دولار لتمويل شراء القمح وزيت الوقود والأدوية وسيغطي هذا الضخ احتياجات البلد لمدة عام”.

ويرى محللون أن دعم حزب الله وحلفائه السياسيين لهذه الحكومة سيحول دون حصولها على التمويل لاسيّما وأن رئيس الوزراء السابق سعد الحريري وحزبه، الحليف التقليدي للغرب ودول الخليج لا يشارك فيها.

وطالبت الحكومات والمؤسسات الأجنبية لبنان دائما بسن إصلاحات طال إرجاؤها للحد من الهدر والفساد الحكومي قبل منح حكومة بيروت المثقلة بالدين أي دعم مالي جديد.

وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الأربعاء إن ”قيام الحكومة اللبنانية بتطبيق إصلاحات حقيقية وملموسة سيمكنها من استعادة ثقة المستثمرين وستطلق المساعدات الدولية إليها”.

وصرح وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين في منتدى دافوس الاقتصادي الخميس “نتابع بدقة ونتحدث مع الحكومة بشأن البدائل الاقتصادية المتنوعة”.

وتداول دياب خلال اجتماعه الخميس الماضي مع عدة سفراء أجانب بخصوص تطلع بلده المثقل بالدين لحشد الدعم.

ويتعين اتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع سندات دولية مُستحقة السداد ومنها شريحة قيمتها حوالي 1.2 مليار دولار تستحق السداد في مارس المقبل.

وفشل لبنان في تطبيق الإصلاحات المطلوبة منه بعد حصوله على تعهدات تجاوزت نحو 11 مليار دولار في مؤتمر دولي عام 2018.

ورغم تخفيف الحكومة في تصريحاتها من حدّة الأزمة للحد من قلق اللبنانيين تشير توقعات إلى أن حكومة لبنان الجديدة قد لا تملك احتياطيات كافية لموازنة الاقتصاد ما من شأنه تعقيد مأموريتها.

وتواجه الحكومة مدفوعات دين ضخمة مقبلة وربطا لسعر الصرف يوشك على الانهيار، بينما ترجح التوقعات نفاد ذخيرتها من العملة الصعبة لمعالجة هاتين المشكلتين.

ويحتاج البلد المثقل بالديون مدفوعات سندات ضخمة في مارس وأبريل المقبلين، عندما يحل أجل 1.34 مليار دولار و842 مليون دولار على الترتيب من الفوائد وأصل الدين.

ويتوقع المحللون أن يكون بمقدور البنك المركزي السداد، في الوقت الحالي على الأقل، غير أن البعض في بيروت يعتقد أن إعادة الجدولة أو إعادة الهيكلة ستكون محبذة.

لكن مع تمسك صناع السياسات بربط العملة وفي ظل نضوب تدفقات الدولار، يزداد إلحاح السؤال عن حجم الذخيرة الباقية في خزائن مصرف لبنان المركزي.

وتفيد حسابات بعض المحللين أن احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية ربما تكون سلبية بالقيم الحقيقية.

ويقول المحلل في أكسفورد إيكونوميكسنافذ صاووك “في خضم أزمة، لا يوجد تعريف لما هو قابل للاستخدام إذا كان عليك الدفاع عن ربط العملة، فإن القابل للاستخدام وغير القابل للاستخدام يتغيران، وسيتعين عليك المساس بالاحتياطيات التي تحتفظ بها البنوك لدى البنك المركزي”.

ويتسم النظام المالي اللبناني بهيكل معقد، إذ تجذب أسعار الفائدة المرتفعة دولارات لبنانيي الشتات مما يشكل مصدرا رئيسيا للنقد الأجنبي في حين تحوز البنوك المحلية جانبا كبيرا من السندات الدولية المقومة بالعملة الصعبة.

وبحسب إحصائيات رسمية بلغت احتياطيات لبنان من النقد الأجنبي نحو 31.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر الماضي.

 نضوب تدفقات الدولار
نضوب تدفقات الدولار

وتفيد حسابات صندوق النقد أن لدى لبنان غطاء يكفي واردات أكثر من 11 شهرا وهو مستوى مرتفع بمقاييس عديدة.

ويتساءل مراقبون عن الحجم الحقيقي لاحتياطي الطوارئ حيث تقدر مؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية الأميركية مورغان ستانلي إجمالي حيازات العملة الأجنبية بعد خصم الاحتياطيات الإلزامية للبنوك مع حيازات البلد نفسه عند 11.5 مليار دولار في نهاية 2019.

وكتب جايباران س. خورانا، المحلل الاستراتيجي لدى مورغان ستانلي، في مذكرة حديثة، يقول إن “تقديرات احتياطيات مصرف لبنان القابلة للاستخدام بالغة التفاوت، نظرا للعلاقة المعقدة بينه وبين البنوك المحلية”. وأقر بأن بعض حسابات الاحتياطي قد تخلص إلى رقم سالب.

ويقول صاووك إن حقيقة أن البنك المركزي مدين بمبلغ 67 مليار دولار إلى البنوك التجارية تفضي هي الأخرى إلى رقم سالب وهو ما يؤكده بعض المسؤولين في لبنان.

وسبق أن قال وزير الاقتصاد المنتهية ولايته منصور بطيش في مقابلة مع رويترز “في رأيي الاحتياطيات أصبحت سلبية”.

ويقدر بطيش الفرق بين التزامات المركزي تجاه البنوك التجارية أو ودائع العملة الصعبة، التي للبنوك عند البنك المركزي واحتياطيات البنك نفسه عند حوالي 40 مليار دولار.

أما بخصوص الذهب والسندات، يحوز المركزي على نحو 13.9 مليار دولار من الذهب وحوالي 5.7 مليار دولار حيازات حكومية من السندات الدولارية.

ورغم صعوبة حيازة الذهب، فقد مكن ذلك دولا مثل فنزويلا استغلاله كضمان في عمليات مقايضة للحصول على العملة الصعبة.

ولكن صاووك يشير إلى صعوبة أن يستغل لبنان ذهبه بسبب ضرورة نيل موافقة البرلمان ولأن الرأي العام يعارض بشدة مثل تلك الخطوة.

11