الحكومة الليبية تواجه اختبار تحويل وجهة التشكيلات المسلحة

الأربعاء 2013/11/13
نساء ليبيا، كمعظم شعبها، ضقن ذرعا من فوضى الميليشيات وجبروت أسلحتها باسم الثورة

طرابلس- موضوع المجموعات أو الميليشيات أو التشكيلات المسلّحة في ليبيا عصيّ عن الفهم والاستيعاب، فبعضها تمّ إدماجه في المؤسّسة العسكريّة دون أن يتخلّى عن ولائه لكيانات إيديولوجية أو قبلية، وأحدها كان تابعا لرئاسة البرلمان، ولكنّه لم يتردّد في اختطاف رئيس الحكومة. ولا حديث طبعا عن درجة الانفلات الأمني الذي تتسبّب فيه هذه الميليشيات باسم إسهاماتها الكبرى في إسقاط نظام القذافي قبل عامين. ومن ثمّة جعلت حكومة علي زيدان من بسط نفوذها الأمني والعسكرية أولويّة قصوى.

قرّر المؤتمر الوطني الليبي العام، أمس الثلاثاء بأغلبية 85 عضوا، نقل تبعية «غرفة عمليّات ثوار ليبيا»، إلى رئاسة أركان الجيش، بعد أن كانت هذه المجموعة المسلّحة تتبع مباشرة المؤتمر الوطني أي البرلمان الليبي.

وجاء هذه القرار على خلفيّة اتهام الغرفة باختطاف رئيس الوزراء الليبي علي زيدان قبل أسابيع، فضلا عن الصراعات السياسيّة القائمة بين عدد من كتل البرلمان، ومن بينها الضغط على رئيس المؤتمر لتجريده من صفة القائد العام للقوّات المسلّحة.

كما أفادت وكالة الأنباء الليبية أنّ المؤتمر الوطني قرّر أيضا تحويل تبعيّة كافة التشكيلات المسلّحة الشرعية، المكوّنة في أغلبها من كتائب للثوار الذين أسهموا في إسقاط نظام القذافي منذ عامين، إلى رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي.

وواضح أنّ الحكومة قد جعلت المسألة الأمنيّة المتعثرة على رأس جدول أعمالها للمرحلة المقبلة، لاسيّما أنّ وطأة المجموعات المسلّحة قد أصبحت تُهدّد باحتمال عجز صناديق الدولة عن تأمين النفقات اللازمة، بالنظر إلى انقطاع أبواب تصدير النفط والغاز في موانئ وحقول إنتاج كثيرة.

ويُذكر في هذا الصدد أنّ المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا أعلنت، أمس الثلاثاء، عن توقف عمليّات تصدير الغاز بمجمع مليته إلى إيطاليا بسبب الأوضاع الأمنية وزيادة عدد المعتصمين بالمجمع. كما أنّ تعمّد جمع من الجرحى الاعتصام أمام مداخل مصفاة منطقة الزاوية ومنع دخول شاحنات الوقود وخروجها وكذا عدم السماح للعمال بالدخول إلى مواقع عملهم، قد تسبّب بدوره في إغلاق هذه المصفاة المهمّة.

ويبدو أن تراكم الاحتجاجات والاعتصامات هنا وهناك في مواقع الإنتاج، فضلا عن الاشتباكات الثأرية العنيفة بين فصائل مسلّحة عديدة، وكذلك تواصل موجة الاغتيالات والتفجيرات، قد جعلت الحكومة الليبيّة حائرة في أمرها، مُحاولة كلّ مرّة تحسّس الطريق إلى الحلّ فتواجهها مُعضلة أشدّ من سابقتها.

والأكثر من ذلك، أنّ الحكومة بدت أيضا غير قادرة عن تحديد المسؤوليّات، أو على الأقل تتجنّب الإعلان عن ذلك، وتحاول تفادي استخدام «العنف الشرعي للدولة» في إعادة الأمور إلى نصابها، خوفا من ردود أفعال التشكيلات والكيانات المختلفة والسقوط في تصعيد دائرة العنف المتبادل. وتُضاف إلى ذلك بالضرورة حسابات الربح والخسارة المتعلقة بالأجندات السياسيّة للمرحلة المقبلة، وخاصة تزامنا مع الحديث عن التمديد في ولاية البرلمان والاحتجاجات الشعبيّة التي تقف دون ذلك.

وعموما فإنّ دفع المؤتمر الوطني العام إلى تأكيد تبعيّة كلّ التشكيلات المسلحة الموصوفة بـ"الشرعيّة" إلى رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي يأتي في نطاق محاولة توضيح المسالك والولاءات والمسؤوليّات.

فوضى الميليشيات تهدد باحتمال العجز عن تأمين نفقات الدولة، بالنظر إلى انقطاع تصدير النفط والغاز في موانئ وحقول إنتاج كثيرة

ويُذكر أنّ ما يُسمّى بـ»تجمع شباب وسكان وأهالي طرابلس الكبرى» قد جدّد، أمس الثلاثاء، مطالبته بإخلاء طرابلس الكبرى من كافة المظاهر والتشكيلات المسلحة غير الشرعية. وأعلن هذا التجمع، في بيان نشرت وكالة الأنباء الليبية مضامينه، أن طرابلس الكبرى سبق وأن طالبت المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة بتطبيق القرار القاضي بإخلاء العاصمة من كافة التشكيلات المسلحة، ولكن «دون جدوى» حسب البيان. وقد أدى ذلك إلى تمادي تلك المجموعات المسلحة، وخير شاهد على ذلك ما حدث من ترويع للمدنيين والنساء والأطفال يوم الخميس الماضي. كما أكد البيان، على الاستعانة بالوسائل المشروعة كافة، وعلى رأسها الضغط الشعبي السلمي، والاعتصام أمام مقرات التشكيلات المسلحة غير الشرعية حتى تطبيق قرار المؤتمر الوطني رقم (27) القاضي بإخلاء طرابلس من المظاهر والتشكيلات المسلحة غير الشرعية كافة.

وعلى صعيد متصل، انعقد، أمس الأوّل الإثنين، الاجتماع الثاني للجنة تسليم الأسلحة، بمشاركة مندوبين عن منظمات المجتمع المدني، بهدف بحث الآليات التي سيتم اعتمادها لجمع الأسلحة في مختلف أنحاء ليبيا. وأوضح الناطق الرسمي لوزارة الدفاع أن اللجنة ستعوّل على عامل التحفيز للمساهمة في تسليم الأسلحة طواعية لجهات الاختصاص وفق برنامج يضمن من خلاله عدم تسليمه إلى أي جهة أخرى غير الجيش الليبي.

ومن جانبه، أكد رئيس اللجنة أن اللجنة حثت عددا من الوزارات على التعاون معها في حملة جمع الأسلحة وتقديم برامج ودورات وفرص عمل لمن يرغب في تسليم سلاحه ويبحث عن فرصة عمل أو استكمال دراسته، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء علي زيدان كان قد أعلن عن ذلك في مؤتمره الصحفي الأحد الماضي، حيث أبرز سعي الحكومة إلى جمع السلاح وشرائه من حامليه خارج شرعية الدولة.

وأكد رئيس اللجنة الإعلامية للحملة أنّ انتشار السلاح يعيق برامج التنمية وبناء الدولة وإعادة الإعمار، معتبرا ذلك عاملا رئيسيّا لانتشار الفوضى في البلاد. كما أوضح أن اللجنة ستقدم عدة برامج عبر وسائل الإعلام المختلفة لتوعية المواطن والإعلان عن مكان وزمان تجميع الأسلحة.

رئيس الحكومة الليبية المؤقتة علي زيدان لم يفوّت بدوره أيّ فرصة في كلّ اجتماعاته ومؤتمراته الصحفيّة اليومية لاستنكار وطأة الميليشيات المسلحة واستشراء فوضى السلاح. وتحذيره من خطورة التحوّل ببنغازي، فقد تنقل إليها لطرح خطاب التهدئة والتحذير ذاته.

وخلال مؤتمره الصحفي، أمس الأوّل الإثنين في بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية بعد طرابلس العاصمة، ذكّر زيدان بأنّ بسط الأمن في أرجاء مدينة بنغازي هو اليوم أولوية من أولويات عمل الحكومة لتحقيق الطمأنينة في نفوس أهلها.

2