الحكومة المصرية بلا سند حزبي بعد خسارتها الرهان على "مستقبل وطن"

"موقعة الكراتين" تثبت أن "مستقبل وطن" رسب في أول اختبار سياسي له.
السبت 2019/05/18
لا حزب يمثلنا

عملية البحث عن جهة حزبية وازنة تسند الحكومة المصرية وتضطلع بالدور الذي كان يؤدّيه في فترات سابقة الحزب الوطني المنحل، انتهت إلى طريق مسدود بعد فشل الرهان على حزب مستقبل وطن الذي تبيّن أنّه مجرّد هيكل متضخّم برلمانيا وأجوف جماهيريا، وتحوّله إلى عبء على السلطة ومصدر انتقادات لها بدل أن يكون مساعدا لها على ضبط المشهد وتأطير الجماهير.

القاهرة - تواجه الحكومة المصرية مصاعب في تحديد الجهة السياسية الموثوقة والوازنة التي من الممكن أن تستند إليها، بعد تزايد الانتقادات التي يتعرض لها حزب “مستقبل وطن” وتصاعد المطالبات بالتخلي عن تمثيله للأغلبية داخل البرلمان.

وظهر أول صدام علني بين علي عبدالعال رئيس مجلس النواب وعاطف ناصر رئيس الهيئة البرلمانية لحزب “مستقبل وطن” في أثناء مناقشة تعديل أحد قوانين مكافحة المخدرات، وتبادل الطرفان توزيع الاتهامات.

وتوعد عبدالعال بـ“كشف ما يروّج إليه مثل هذا النائب حتى تكون الحقيقة واضحة للجميع”، في إشارة فهمتها بعد الأوساط السياسية بأن الحزب لم يؤد دوره على أكمل وجه داخل البرلمان وخارجه.

وردّ الحزب ببيان مقتضب طالب فيه رئيس البرلمان بـ”مراجعة ما يصدر عنه من تصريحات، بما يحمّله من مسؤولية سياسية، وتجنب الخلافات الشخصية والاتجاهات الخاصة بعيدا عن مجلس النواب، والدور السياسي المنوط به كرئيس للبرلمان”.

وجاء الصدام بعد تعرض حزب “مستقبل وطن” لهجوم شرس بسبب عدم نجاحه في إدارة عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية الشهر الماضي.

وكانت كراتين السلع التموينية التي وزعها الحزب أمام لجان الانتخابات ثغرة للتشكيك في نزاهته، ما وضع الحكومة في موقف حرج جعلها متهمة من قبل أطراف معارضة بأنها توزع رشاوى انتخابية على المواطنين.

وما زاد من حدة الأزمة أن تبريرات قيادات الحزب بشأن وقائع ما عرف بـ“موقعة الكراتين” لم تقنع أحدا، وأثبتت أن “مستقبل وطن” رسب في أول اختبار سياسي له.

ولم يستطع الحزب تشكيل قاعدة شعبية تجعله قادرا على قيادة الأغلبية بعد أن فتحت جهات كثيرة أبوابها أمامه للتحرك وتمكينه من تأدية الدور السياسي والاجتماعي الواجب أن يقوم به بديلا عن الحزب الوطني المنحل.

عمرو الشوبكي: استنساخ الحزب الوطني الحاكم سابقا لن يحدث حاليا
عمرو الشوبكي: استنساخ الحزب الوطني الحاكم سابقا لن يحدث حاليا

ومع أن “مستقبل وطن” نجح في استقطاب غالبية النواب الذين يشكلون ائتلاف “دعم مصر” لصالحه وضم أكثر من 300 نائب، ظلت سيطرته داخل البرلمان شكلية، في ظل حظر قانون مجلس النواب تغيير الصفة الانتخابية والحزبية لكل نائب.

ويرى مراقبون أنّ الحالة الرمادية للحزب داخل البرلمان وغياب دوره السياسي خارجه وإصرار الحكومة على تأكيد عدم وجود ممثل سياسي يتحدث باسمها، عوامل تعزز عدم قناعة الجهات التي ترعى تحركات الحزب بفاعليته على الأرض ما يبرهن على أن المشهد أصبح قابلا للتغيير.

وحملت المشادة التي نشبت بين رئيس البرلمان وقيادي “مستقبل وطن” تلميحا بعدم السماح للحزب بلعب دور المهيمن على النواب.

وقال رئيس البرلمان “لن يسمح بوجود مراكز قوى داخل المجلس حتى لو اضطررت لمغادرة هذا المكان”، ما يعبر عن تغير في موقف الرجل.

ولفت متابعون إلى أن تصاعد لهجة الانتقادات ضد الحزب يؤشر على أن الحكومة تتحفظ على قيامه بدور ضابط رمانة ميزان الأغلبية، وتضيّق الخناق على محاولات فرض ما يريده بعيدا عن الإطار الذي خرج من خلاله، وثمة رغبة في أن يكون ضمن أحزاب أخرى مؤيدة للنظام الحاكم، وليس على رأسها أو متحكما فيها.

وجرى توظيف الحزب للقيام بمهمة محددة وهي الحشد للتعديلات الدستورية، وقد تكون له أدوار أخرى من خلال الانتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة، لكن في وجود مسافة كبيرة بينه وبين السلطة الحاكمة، التي تدرك أنها ستخسر سياسيا حال إعلانها الانتماء لأي من الأحزاب الضعيفة شعبيا.

وأرادت الحكومة بالطريقة التي خرج بها الحزب إلى النور عام 2015، إعادة رسم المشهد السياسي من خلال البحث عن بديل يلعب دور “مايسترو” للأغلبية.

وأوضح عمرو الشوبكي، الباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أن إعادة استنساخ الحزب الوطني الحاكم أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك لن تحدث في الوقت الحالي، والمطلوب وجود حزب يشكل عامل جذب اجتماعي وليس سياسيا للمواطنين، وبالتالي فإن الاستغناء عن الحزب أو الاستمرار في دعمه لن يختلف كثيرا.

وأضاف لـ“العرب” أن غياب السياسية يحتم الاعتماد على أحد الأحزاب التي تقوم بأدوار مجتمعية، والاعتماد على شخصيات بذاتها لديها نفوذ في القرى والأقاليم، وهو ما يظهر من استعانة “مستقبل وطن” بكوادر الصف الثالث والرابع في الحزب الوطني المنحل من دون الاستعانة بقيادات ماهرة.

وأوضح الشوبكي أن الحكومة ترى أن الرؤية السياسية تجاه القضايا المحلية يجب أن تكون خاضعة لها وليس للأحزاب الضعيفة التي تفتقد الحد الأدنى لمقومات العمل السياسي، وهذا يعني عدم السماح للأحزاب المؤيدة أن تصبح شريكة في القرار.

ويتوقع العديد من السياسيين أن تشهد الفترة المقبلة إدخال تعديلات على قوانين مباشرة الحقوق السياسية والانتخابات والأحزاب، قبل الإقدام على جملة من الاستحقاقات المرتبطة بالبرلمان ومجلس الشيوخ والمحليات، والتي تواكبها تعديلات مماثلة على مستوى الجهة التي سوف تقوم بلعب دور القائد لباقي الأحزاب المؤيدة.

وأشار عصام شيحة، القيادي بتيار الإصلاح في حزب الوفد الليبرالي، إلى أن المأزق الأساسي الذي سيكون حاضرا يرتبط بماهية القوى التي من الممكن الاعتماد عليها شريطة إجادتها لأبجديات العمل السياسي بما يؤدي لتطوير مهارات كوادرها في المستقبل.

وأضاف لـ“العرب” أن الواقع الحالي يشير إلى إمكانية تقوية تيارين أساسيين يخضعان للتوافق مع الحكومة في حزب الوفد ويقدم نموذج التيار الليبرالي، وحزب التجمع ويمثل اليسار بطيفه الواسع.

3