الحكومة المصرية تستثمر في أحكام القضاء لتحجيم نفوذ التيار السلفي

قرار منع أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة من ارتداء النقاب يعكس تمسكا من الدوائر الرسمية بمنع التوظيف السياسي للدين.
الأربعاء 2020/01/29
ورقة قوية تسحب من السلفيين

 القاهرة – بدأت الحكومة المصرية تحشد لاستئناف المعركة التي تخوضها مع التيار السلفي، وكل المناصرين لارتداء النقاب، مع صدور حكم قضائي غير قابل للطعن، الاثنين، بمنع أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة من ارتداء النقاب، ما يفرض على الجهات التنفيذية حتمية تطبيق الحكم.

ووضعت المحكمة الإدارية العليا لأول مرة، مبدأ عاما وشاملا يتيح للمؤسسات الأخرى، دون تسميتها، تطبيق نفس منطوق الحكم، ما يعني أن الحكومة أصبح لديها سلاحا قضائيا يمكّنها من إصدار تعميم على كل الجهات الرسمية بحظر ارتداء النقاب.

وقال عضو مجلس النواب، محمد أبوحامد، صاحب المقترح البرلماني بحظر النقاب، لـ”العرب”، إن هناك إرادة سياسية لتحجيم نفوذ السلفيين، ومن الوارد وبقوة أن يصدر خلال الفترة المقبلة قرار حكومي بتوسيع دائرة منع ارتداء النقاب، لأن الحكم القضائي فتح الباب على مصراعيه أمام اتخاذ مثل هذه الخطوة.

وأضاف أبوحامد أن معضلة السلفيين تكمن في أنهم اعتبروا النقاب قوة سياسية بالنسبة لهم، وأي معركة ضده يخصم من رصيدهم في الشارع، ولم يدركوا بعد أن المؤسسات الرسمية والشارع يعاديان التوظيف السياسي للدين، وهناك شجاعة في مواجهتهم أكثر من أيّ وقت مضى.

لقد أصبحت الظروف السياسية والأمنية في مصر، أكثر استقرارا من أيّ وقت مضى، وبالتالي فإن الفرصة مهيأة لاستثمار الحكم القضائي في تحجيم نفوذ السلفيين الذين اعتادوا استغلال حالة عدم الاستقرار خلال السنوات الماضية لتجميد خطط رسمية لوقف تمددهم، واستغلال تردد الحكومة في عدم الدخول في مواجهة مفتوحة ضدهم.

وجاء الحكم تأييدا لقرار اتخذه جابر جاد نصار، رئيس جامعة القاهرة السابق، بمنع أي أكاديمية تقوم بالتدريس من ارتداء النقاب داخل قاعة المحاضرات، لأنه يمنع التواصل ويعيق العملية التعليمية، وتم توسيع قاعدة الحظر بمنع النقاب في المستشفيات التابعة لجامعة القاهرة.

وتوقع مراقبون، أن تأخذ المواجهة بين النظام والسلفيين منحنى تصاعديا خلال الفترة المقبلة، في ظل إصرار الكثير من نواب البرلمان على استصدار قانون يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وربما يكون الحكم القضائي مدخلا لإعادة النقاش حول التحرك النيابي.

محمد أوحامد: من الوارد أن يصدر قرار بتوسيع دائرة منع ارتداء النقاب
محمد أوحامد: من الوارد أن يصدر قرار بتوسيع دائرة منع ارتداء النقاب

تدرك الحكومة أن التيار السلفي وذراعه السياسي (حزب النور) الذي يمثله عشرة نواب داخل البرلمان، لن يغامر بالتورط في مواجهة مباشرة، خشية التعرض لهجمة تجعله يخسر كل شيء في وقت واحد، لأن الغالبية السياسية ترفض كل ما هو يوحي بالتشدد بسبب الصورة السلبية التي تركها تنظيم الإخوان المسلمين.

يبدو السلفيون أكثر استسلاما في مواجهة خطوات الحكومة لضرب قواعدهم في الشارع، إذ لم يعلّق حزب النور على الحكم القضائي بحظر النقاب، واكتفى قريبون منه بتلميحات تنتقد المؤسسة القضائية، وأنها أصبحت ذراع الحكومة القوي في إقصاء السلفيين عن المشهد.

وأضحى التيار السلفي محاصرا في أماكن حيوية اعتاد استثمارها لنشر أفكاره المتشددة وتوسيع قواعده الجماهيرية، فوزارة الأوقاف منعت شيوخهم من اعتلاء المنابر، ووزارة التربية والتعليم حظرت على المعلمات ارتداء النقاب في المدارس، وأخيرا حكم القضاء بمنعه في جامعة القاهرة، والمرجح تعميمه على باقي الجامعات.

وظل الإسلاميون بأطيافهم المختلفة ينظرون إلى المساجد والمؤسسات التعليمية على أنها بوابة مثالية للنفاد إلى المجتمع، واستمالة الفئات الشبابية للانضمام إلى قواعدهم، على أمل أن يتم توظيفهم وحشدهم في الاستحقاقات الانتخابية لدعم مرشحيهم.

ويمثل حكم حظر النقاب ضربة قاسية، لأن التيار السلفي اعتاد استثمار المنقبات للإيحاء بأنه قوة لا يُستهان بها، وبالتالي خلعه عن التعليم وغيره، ما يعد بداية لشعور المجتمع نفسه بأن السلفيين في طريقهم لتقويض نفوذهم، كما هو الحال مع الإخوان.

ويرى متابعون، أن تطبيق حظر النقاب فعليّا بجامعة القاهرة أو تعميمه من شأنه ضرب تحركاتهم الراهنة استعدادا للانتخابات البرلمانية المقبلة وبالتالي يتسع مجال إقصاء السلفيين من المشهد السياسي، لاسيما وأنهم يعتبرون النقاب رمزا دينيا يعكس حضورهم في الشارع.

وقال وليد هاشم لـ”العرب”، وهو أحد شباب التيار السلفي في محافظة البحيرة، شمال القاهرة، وموطن يونس مخيون رئيس حزب النور، إن “هناك صدمة لدى كوادر وقواعد التيار السلفي من تصعيد نبرة الصدام مع السلفيين والاتجاه نحو شيطنتهم، رغم أنهم دعموا ثورة 30 يونيو 2013 ضد الإخوان، ودعموا المسار السياسي للدولة”.

وطول الفترة التي أعقبت ثورة يونيو، ظل السلفيون يستمدون قوتهم من كونهم إحدى الركائز التي بنى عليها الرئيس عبدالفتاح السيسي شرعية نظامه، حيث كان يونس مخيون رئيس حزب النور، أحد الداعمين لخارطة الطريق التي أنهت حكم الإخوان، لذلك اعتبروا أنفسهم شركاء في الحكم.

وتظل أزمة التيار السلفي، أنه تعامل مع الحكومة بمبدأ أنها بحاجة إلى تيار إسلامي في المشهد السياسي، ولم يدرك قادته أن هذا التوجه كان مرتبطا بفترة زمنية عانت فيها مصر من توترات أمنية قبل أن تستقر الأوضاع، وأن توقيت الحاجة إلى السلفيين انتهى بتقويض الإخوان سياسيا، وبتر غالبية أذرعهم العسكرية.

ويحمل تسريع الحكومة من إجراءات تقنين أوضاع الكنائس أخيرا، إشارات أخرى للسلفيين، بأن الثغرة التي كانوا ينفذون من خلالها، وهي عدم مشروعية التوسع في إنشاء دور عبادة مسيحية، للتحريض ضد الأقباط، أصبحت مغلقة، بل إن البرلمان أقر تشريعا يقضي بحبس من يصدر فتوى متطرفة، ومعروف أن شيوخ التيار السلفي على رأس المستهدفين.

وما يقلق قطاعا كبيرا من السلفيين ذلك الصمت المريب من جانب قادتهم على التحركات الحكومية لتحجيم نفوذهم في الشارع، حتى أصبح لديهم شعورا جارفا بأن خريف الغضب قادم لا محالة، مع استمرار تلميحات الرئيس المصري بأن بداية تجديد الفكر والخطاب الديني يستدعيان عدم ترك الساحة للجماعات الدينية المتشددة.

2