الحكومة المصرية تسرّع تقنين الكنائس لتعزيز الثقة مع الأقباط

قرارات التقنين تستهدف التعامل مع الآثار السلبية التي تركتها البيئة التشريعية المقيدة لبناء الكنائس في مصر.
الثلاثاء 2021/07/27
الأقباط يتجاوزون العقبات

القاهرة - عزّزت الحكومة المصرية من علاقتها مع الأقباط بالمضي قُدما في اتجاه تقنين أوضاع الكنائس كخطوة تلقى قبولاً عامًا لدى جهات عديدة ترى أن تحريك الملف بعد أن ظل جامداً لسنوات طويلة يصب في تعزيز بناء دولة المواطنة.

ووافقت اللجنة الحكومية لتقنين أوضاع الكنائس التي يترأسها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الأحد على تقنين أوضاع 76 كنيسة ومبنى تابعًا لها ليبلغ عدد الكنائس والمباني التي تمت الموافقة على توفيق أوضاعها منذ بدء عمل اللجنة قبل أربع سنوات إلى 1958 من إجمالي 6 آلاف كنيسة.

وتستهدف قرارات التقنين التعامل مع الآثار السلبية التي تركتها البيئة التشريعية المقيدة لبناء الكنائس في مصر، وهو ما أدى إلى وجود أعداد كبيرة من الكنائس منذ عشرات السنين ولم تصدر لها قرارات بناء، علاوة على وجود المئات من الكنائس التي أنشئت بموافقات شفوية من الأجهزة الأمنية في محافظات مصر، ويُصلَّى فيها منذ فترة طويلة دون أوراق رسمية، ويأخذ بعضها الشكل التقليدي للكنائس، والبعض الآخر قاعات أو منازل يصلَّى داخلها بانتظام.

وتتلقى قطاعات واسعة من الأقباط خطوات تقنين الكنائس بترحيب واسع، لأن غالبية الأزمات الطائفية التي تعرضوا لها سابقا كانت تدور حول أماكن دور العبادة الخاصة بهم، ما أحدث غصة تجاه حكومات عديدة جمدت الملف ولم تكن لديها الجرأة على اتخاذ قرارات لتسويته، ما يجعل النظام المصري يحظى بثقة واسعة من قبل الأقباط لإدراكهم بأن أزماتهم التاريخية تجد سبيلاً للحل النهائي.

ويعد تقنين أوضاع الكنائس أحد الملفات التي تعّول عليها الحكومة المصرية للتعامل مع البيئة الرخوة في بعض محافظات جنوب البلاد التي تشهد توترات بين مسلمين وأقباط من وقت لآخر، ثم تنتهي بعقد جلسات عرفية للتصالح.

وتعي جهات رسمية أن هناك فجوة يمكن توظيفها لخلق أزمات في مناطق ما تزال تحظى بحضور خفي لتنظيمات إسلامية متشددة تجيد اللعب على وتر الفتنة الطائفية.

ويحظى ملف تقنين الكنائس بمتابعة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وعندما واجهت لجنة تقنين أوضاع الكنائس انتقادات عديدة بسبب البطء في أداء عملها طالب بتسريع إجراءات التقنين، ما انعكس على مضاعفة عدد قراراته العام الماضي، حيث بلغت 6 قرارات بإجمالي 478 كنيسة ومبنى، مقابل إصدار 12 قرارا خلال ثلاث سنوات.

 

كمال زاخر: مصر نجحت في وضع الأقباط على طريق المواطنة الحقيقية

وأكد السياسي القبطي جمال أسعد أن خطوات الحكومة لا تنفصل عن مساعيها نحو تحقيق المواطنة وسد المنافذ التي تشكل تهديداً بالنسبة إليها في مناطق تشهد أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة، وقد تكون التوترات الطائفية سببًا في أزمات أمنية بمناطق تصعب السيطرة عليها، بالتالي فهي تعمل على توظيف تراكم الممارسات والقرارات للوصول إلى مرحلة تغيير الثقافة العامة في هذه المناطق.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن بناء الكنائس مشكلة يتجاوز عمرها أكثر من ألف عام، والتعامل معها بحاجة إلى وقت طويل، غير أن النظام يوظف الحالة السياسية والأمنية لتسوية

الملف في أسرع فترة ممكنة، وتعزز مساعيه أهمية ممارسة الحقوق السياسية والدينية لتخفيف الانتقادات الخارجية الموجهة لمصر بشأن حقوق الإنسان.

ويشير متابعون إلى أن النظام الحاكم يسعى لتقديم صور تؤكد على المواطنة، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، مثل حضور الرئيس عبدالفتاح السيسي قداسات عيد القيامة، والضربة الجوية التي وجهها الجيش لتنظيم داعش في درنة الليبية رداً على قتل 21 مصريا قبطيا، وترميم جميع الكنائس التي خربها الإخوان عقب إزاحة الجماعة من حكم البلاد، وظهور الرئيس عبدالفتاح السيسي في جنازة ضحايا تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة.

ورغم أن توجهات الحكومة نحو الأقباط تحظى بترحيب واسع على مستوى الكنسية الرسمية والبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، إلا أن خطابات بعض رجال الدين المسيحيين المتشددين توجه انتقادات للحكومة بسبب تقديرها بعدم إيجاد حلول قانونية تُنهي توترات كامنة قابلة للاشتعال في مناطق مختلفة.

وتعتقد دوائر قبطية أن هناك مواقف مختلفة من الحكومة، وإن كان السائد أن قرارات الأخيرة تجاههم تحظى بقبول مرتفع، لكن هناك معارضين لها نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة أو عدم القدرة على الوصول إلى المساواة الكاملة التي ينشدونها في أثناء ممارسة طقوسهم وعاداتهم بسبب إجراءات أمنية زائدة عن الحد.

وانتهت الكنائس المصرية الخمس: القبطية الأرثوذكسية، الروم الأرثوذكس، السريان الأرثوذكس، الكاثوليكية والإنجيلية من إعداد مشروع قانون الأسرة الخاص بالمسيحيين، وتمت إحالته قبل أيام إلى الحكومة تمهيداً لإقراره بشكل نهائي قبل رفعه إلى مجلس النواب، بعد أكثر من 70 عاماً على مطالبة الكنائس بقانون للأحوال الشخصية للمسيحيين كبديل عن لائحة قديمة صدرت عام 1938 ومعمول بها في المحاكم المصرية حتى الآن.

وأكد الباحث القبطي كمال زاخر لـ”العرب” أن ثقة الأقباط في الحكومة لا ترتبط بتقنين أوضاع الكنائس وإلا تصبح مقايضة، حيث ترسخت منذ أن أثبتت الحكومة حسن نواياها تجاه تحقيق المواطنة ومحاولاتها المستمرة لتغيير الإرث السلبي الممتد لفترات طويلة.

وأوضح أن النظام المصري نجح في وضع الأقباط على طريق المواطنة الحقيقية الذي واجه أزمات عديدة من قبل، ولذلك فترميم الكنائس وتقنين أوضاعها يعد مرحلة في مجال تحسين جودة الحياة العامة المحيطة بهم، وهو ما تقوم به الحكومة من خلال تطوير أوضاع القرى والنجوع التي شهدت من قبل أزمات طائفية.

2