الحكومة المصرية تعجل بنهاية الإعلام الرسمي

لم تكتف الحكومة المصرية بالوقوف موقف المتفرج أمام مشكلات الإعلام الحكومي، بل ساهمت في تعميق أزمته بإعطاء الأولوية للفضائيات الخاصة في نقل الأنشطة الحكومية والتصريحات الرسمية للمسؤولين، مما يعجل بنهاية الإعلام الرسمي في البلاد.
الثلاثاء 2017/01/31
حماية ماسبيرو لم تعد من أولويات الحكومة

القاهرة - يدفع الإعلام المصري الحكومي، ثمن صعود نجم الإعلام الخاص وتكتلاته الجديدة التي يشرف عليها كبار رجال الأعمال في البلاد، ويصبح تدهوره أمرا واقعا تزداد وتيرته مع تجاهل الحكومة لمشكلاته، ونيتها الإبقاء عليه كما هو دون تدخل.

وأبدى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي فتورا تجاه فكرة تطوير وهيكلة اتحاد الإذاعة والتلفزيون "ماسبيرو"، وقال خلال مؤتمر الشباب بمدينة أسوان، السبت، إن إصلاح مسار تلفزيون الدولة، يحتاج إلى وقت وجهد وتكاليف مرتفعة، وهذا غير متاح حاليا.

لا تحتاج تصريحات السيسي إلى الكثير من التأويل، بحسب المتابعين، إذ يبدو جليا أن الحكومة وجدت البديل المناسب والأفضل في الإعلام الخاص، بعد انطلاق فضائيات خاصة معدة بأحدث التقنيات والإستوديوهات الضخمة المبهرة للجمهور، بدا معها تلفزيون الدولة شديد التواضع.

وأصبح واضحا أن الحكومة باتت تعول على الفضائيات الخاصة في نقل الأنشطة المهمة، فخلال مؤتمر الشباب الأخير الذي اختتم السبت، شاركت قناة “دي إم سي” الخاصة، والمملوكة لرجل الأعمال طارق إسماعيل، والتي انطلقت منتصف يناير الجاري، في البث الحي لجلسات المؤتمر، وكانت تنفرد بإجراء حوارات حصرية مع الوزراء وكبار المسؤولين بالحكومة، وهو توجه لم يحدث من قبل، حيث كانت كل المناسبات الرسمية تقتصر تغطيتها على تلفزيون الحكومة.

واعتبر متابعون للشأن الإعلامي أن الحكومة في طريقها لاستبدال "ماسبيرو" بمجموعة قنوات "دي إم سي"، المدعومة من البعض من أجهزة الدولة، وأنها تعمل على تطبيق ذلك بالتدريج، بدليل أن تلك القنوات استضافت على شاشاتها مسؤولين لم يخرجوا في أي قناة مصرية أخرى، على غرار رئيس مجلس النواب، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، وأجرت معهم حوارات حصرية.

التجاهل الحكومي المتعمد لإعلام الدولة، لم يعد مقتصرا على اتحاد الإذاعة والتلفزيون، لكنه امتد إلى الصحف الحكومية

وقال سامي الشريف، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون السابق لـ"العرب"، إن استبدال ماسبيرو بأي فضائية خاصة أخرى، قرار سوف تندم عليه الحكومة في المستقبل، ومغامرة غير محسوبة العواقب، لأنه لا يمكن أن تكون الدولة بلا إعلام حكومي، يكون هو الصوت العاقل في مواجهة إعلام رجال الأعمال.

وأوضح أن "الحل في مصر ليس إقصاء إعلام الدولة، بقدر ما يحتاج الأمر إلى ترشيد في قنوات ماسبيرو، وإنتاج برامج جماهيرية بلا خطوط حمراء، مثل الموجودة في القنوات الخاصة".

وقال "إن الرئيس يجري مداخلات هاتفية مع برامج خاصة ويتجنب تلفزيون الدولة بدعوى انخفاض الجماهيرية، مع أن الحكومة بيدها إعادة جماهيرية ماسبيرو ببرامج شجاعة".

وذهب البعض من رجال المهنة، في تصريحات لـ"العرب"، إلى أن التجاهل الحكومي المتعمد لإعلام الدولة، لم يعد مقتصرا على اتحاد الإذاعة والتلفزيون، لكنه امتد إلى الصحف الحكومية التي تعج بالمشكلات المالية والإدارية والتحريرية، وأن الحكومة تتراخى في الانتهاء من تشكيل الهيئات الإعلامية التي ستختار المسؤولين الجدد في هذه الصحف.

وقال خبراء في مجال الإعلام، إن توافر البديل الخاص سمح للحكومة بأن تتباطأ في إعادة تحديث وتطوير إعلام الدولة، لا سيما وأن مختلف وسائل الإعلام حاليا تتحدث تقريبا بصوت واحد، بعد اختفاء الأصوات المعارضة، حتى أن البعض من الصحف والقنوات الخاصة، بدأت تُجمّل من صورة الحكومة، أكثر من الصحف الحكومية وتلفزيون الدولة.

ووصف صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، توجه الحكومة نحو إضعاف دور الإعلام الحكومي، بأنه “كارثة”، لأن ذلك يضعف من الإعلام القومي والتنويري، وأن اللعب على وتر المصالح بين الدولة وأصحاب رؤوس الأموال في الإعلام الخاص مخاطرة كبيرة.

صفوت العالم: اللعب على وتر المصالح بين الدولة وأصحاب رؤوس الأموال مخاطرة كبيرة

وقال لـ”العرب”، إنه لا يمكن استبدال الإعلام الحكومي بالخاص، بل يمكن أن يكون الإعلام الخاص إضافة إلى رصيد الإعلام المصري بشكل عام، والمشكلة أنه لا توجد جهة في الدولة لديها خطة وجرأة في اقتحام مشكلات التلفزيون الحكومي أو الصحافة المملوكة للدولة، وكأن الواقع أصبح يشير إلى أن هناك توجها ما نحو القضاء على الإعلام الحكومي.

وكشفت مصادر إعلامية لـ"العرب" أن فضائية "دي إم سي"، قامت بتأجير إستوديوهات في مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون، لبث عدد من برامجها من داخل المبنى، ما يشير إلى أن القناة الخاصة والحديثة في السوق الإعلامية، أصبح لها تواجد حقيقي داخل تلفزيون الدولة.

ودفع هذا التخوف، العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، إلى تدشين حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعنوان “أبدا لن يسقط ماسبيرو”، ودعوا المشاهدين إلى إرسال مقترحات التطوير والتحديث لإعادة الاعتبار لتلفزيون الحكومة، تمهيدا لتوصيلها إلى المسؤولين، لمعرفة رغبات الجمهور وتحديد أولويات العمل، وقالوا “حتى لا يكون هناك بديل لماسبيرو.. شاركوا في إعادة بناء تلفزيون الدولة”.

وبدوره، قال محمد شومان، الخبير الإعلامي لـ"العرب"، إن هناك جهات متعددة شاركت في تراجع دور تلفزيون الدولة، من خلال منع الأصوات المعارضة من التحدث خلاله، وتحويل مقدمي البرامج، الذين يخرجون عن النص أو يتجاوزون الخطوط الحمراء، إلى التحقيقات، ثم إقصائهم بعيدا عن الشاشة، وهكذا تم تفريغ التلفزيون من برامج تتحدث بلسان المشاهدين، ولفت إلى أن معظم مداخلات الرئيس، كانت في برامج على فضائيات تهاجم سياسات الدولة.

ورأى متابعون أن الحكومة لم تعد فقط لا تعترف بالإعلام الرسمي للدولة ككيان مؤسسي، بل لم تعد أيضا تقر بوجود الكفاءات الإعلامية الصالحة لإجراء حوار تلفزيوني مع مسؤول كبير، ودللوا على ذلك بالحوار الذي أجراه رئيس الحكومة شريف إسماعيل مع التلفزيون المصري قبل أسابيع، وأداره الإعلامي معتز عبدالفتاح، الذي يعمل بفضائية "المحور" الخاصة، ما أوحى بأن الدولة لا ترى كفاءات إعلامية داخل التلفزيون، وهو ما يثير اليأس في نفوس العاملين فيه، وتساءل هؤلاء المتابعون “كيف يمكن إذا انتظار حدوث أي تطوير؟".

18