الحكومة المصرية في مواجهة الشارع بعد هزيمة المنتخب في أمم أفريقيا

مراقبون: الحكومة المصرية تعتقد أن توقف الناس عن الانشغال بالكرة قد يتم استبداله بالتركيز مع سياساتها وقراراتها والحديث عن الغلاء والأزمات والأسعار.
الأربعاء 2019/07/10
خيبة أمل

القاهرة - اصطدمت مساعي الحكومة المصرية لتحسين صورتها بخروج المنتخب الوطني لكرة القدم من كأس الأمم الأفريقية، الأمر الذي ساهم في تعكير مزاج الشارع الذي يسوده إحباط حاليا بعدما انطفأت نقطة مضيئة كانت تعوّل عليها لتخفيف حدة الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة.

وحاولت وسائل الإعلام التابعة للحكومة في اليومين الماضيين، استعادة التوازن والتركيز على الدور التنظيمي الجيد للبطولة، والقدرة على النجاح، بصرف النظر عن وجود الفريق القومي من عدمه، لكن ظهرت تلميحات سلبية أشارت إلى عدم قدرتها على معالجة القصور مبكرا.

ورفع الإعلام الرسمي شعار “البطولة ما خلصتش”، وحشدت الحكومة بعض الأصوات السياسية لحث الناس على المتابعة وحضور المباريات، للتقليل من الخسائر المعنوية والمادية.

وكانت الحكومة تتمنى استمرار التفاعل الجماهيري لأطول فترة ممكنة، أو التتويج بالبطولة، بما يحقق أهدافا سياسية عديدة، منها تخفيف وقع القرارات الاقتصادية الصعبة التي اتخذت مع انطلاق البطولة، مثل تحريك أسعار الكهرباء ورفع الدعم عن المحروقات.

وتخلو الشوارع والميادين ومراكز الشباب والمتنزهات من الأعداد الغفيرة التي كانت تتابع مباريات المنتخب المصري.

وتعتقد الحكومة أن توقف الناس عن الانشغال بالكرة قد يتم استبداله بالتركيز مع سياساتها وقراراتها والحديث عن الغلاء والأزمات والأسعار.

ورأى متابعون أن الاهتمام الزائد بمخالفات اتحاد الكرة، واستقالة أعضائه على خلفية الإخفاق الأفريقي، محاولة لاستمرار الزخم الشعبي، لأن إطلاق العنان لنواب داخل البرلمان للحديث عن وقائع فساد وإهدار مال عام في أي مؤسسة لم يكن توجها مألوفا، حيث تقدم 70 نائبا بطلبات إحاطة برلمانية تطالب بمحاكمة ومحاسبة أعضاء اتحاد الكرة بسبب شبهات “الفساد والتربح والإخفاق في إدارة شؤون المنتخب”.

وقال عبدالعليم زايد أستاذ علم الاجتماع السياسي، بجامعة الفيوم، جنوب غرب القاهرة، إن الخسارة السياسية الكبيرة للحكومة هي أن الشارع يحاسبها على كل إخفاق
يحدث في أي مجال، حتى لو كان كرة القدم، فهي متهمة بأنها “تتفنن في إحباط الناس وتتراخى في فعل شيء يسعدهم”.

وأضاف لـ“العرب”، أن بعض المؤسسات الرسمية اعتبرت التفاف الناس خلف المنتخب بمنزلة تأييد سياسي للحكومة والنظام الحاكم، أو بمعنى أدق، “هو اصطفاف وطني يحمل دعما مباشرا لها، لدرجة أن هناك من رأى في انشغال الشارع بكرة القدم وعدم الامتعاض من رفع الأسعار موافقة غير مباشرة على المضي في اتخاذ قرارات جديدة صعبة”.

واعتاد محمود كامل، وهو موظف حكومي وأب لخمسة أبناء، اصطحاب أصدقائه إلى المقهى المجاور لمنزله بحي المطرية الشعبي في شمال القاهرة، لمتابعة البطولة، ومنذ خروج المنتخب تحوّل المقهى الذي يرتاده إلى ما يشبه المنتدى السياسي أو الحزب المعارض لقرارات الحكومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وأشار لـ“العرب”، إلى أن الناس في المقهى كانت تتابع المنتخب للتشجيع، وتشاهد مباريات باقي المنتخبات كنوع من دراسة الفرق المنافسة، والكل يتحدث عن الكرة فقط.. ونسي المصريون الهموم والغلاء والأسعار على أمل فرحة شعبية تشد من عزيمتهم وتشعرهم أن هناك أملا في شيء يقود إلى التغيير والإصلاح.

لم تكن الحكومة تريد أن يعود الشارع ليتحدث في السياسة والاقتصاد، على الأقل لشهور مقبلة تستريح فيها من ضغوط غلاء الأسعار، بحيث يحصل المنتخب على البطولة، ثم تعود المنافسة لاستكمال بطولة الدوري، وتقام مباراة القمة بين فريقي الأهلي والزمالك في نهاية يوليو ويستمر الحديث في الرياضة لفترة، لكن الخروج المفاجئ قلب الكثير من حسابات الحكومة.

وتحدث حمدي رفعت، مستأجر مقهى كبير بحي الحلمية في القاهرة، لـ“العرب”، قائلا “المقاهي تعرضت لخسائر مالية كبيرة جراء خروج المنتخب من البطولة، لأن المحليات قامت بتحصيل أموال دون أسباب بذريعة تركها دون مخالفات، كما أن أصحاب المقاهي أنفسهم قاموا بمضاعفة سعر الإيجار، وهناك من استأجر فترة الصيف فقط بأسعار فلكية، على أمل الحضور الجماهيري الكثيف خلال مباريات المنتخب”. وتابع “هناك خسائر أخرى غير مباشرة سوف تلحق بأصحاب المطاعم وتجار الأدوات والملابس الرياضية والأعلام، التي شهدت رواجا كبيرا منذ انطلاق البطولة.. الأزمة الكبرى بالنسبة للحكومة والعاملين والمستثمرين في الاقتصاد غير المباشر أن المواطنين قرروا إنهاء البطولة الأفريقية مع خروج المنتخب”.

واعتادت الكثير من النساء والشباب بيع الأعلام المصرية في إشارات المرور المنتشرة في الشوارع والميادين، والمبيت في الطرق الرئيسية ليلة مباريات المنتخب الوطني، لأن هذه الفترة من اللحظات المهمة لجني الأموال، لكن الأعلام التي كانت ترفرف في الشوارع اختفت برحيل هؤلاء الباعة مع توديع الفريق المصري للبطولة.

ولحق بهؤلاء الباعة، أصحاب المهن الموسمية ممن اعتادوا الظهور في المناسبات والفعاليات الجماهيرية، وهؤلاء شكلت كأس الأمم الأفريقية بالنسبة لهم موسما استثنائيا لم يكتمل، بالتالي فإن خروج المنتخب الوطني من البطولة، يبدو عنوانا لخسارة رياضية، قد تخفي وراءها خسائر سياسية واقتصادية واجتماعية قاسية.

2