الحكومة المصرية وبدو سيناء.. تجاوز الماضي لتوطيد الاستقرار

الحرب ضد الإرهاب أسست لشراكة بين الحكومة وقبائل البدو في سيناء، تقوم بمقتضاها القبائل في المنطقة بدعم القوات المسلحة لتتصدى للإرهابيين في محيط المنطقة الجغرافية.
الثلاثاء 2018/04/24
السلاح لا يقضي على الإهراب إلا عندما يقترن بالتنمية المستدامة

القاهرة- عند الحديث عن الإرهاب في مصر تتجه البوصلة مباشرة إلى سيناء في تلازم صنعته ظروف تاريخية وجغرافية وسياسية، وصورة نمطية رسمتها سياسات الحكومات المصرية المتعاقبة وردود فعل القبائل البدوية في شبه الجزيرة على تهميش المركز لهم.

رسخت هذه العلاقة فكرة العداء بين الطرفين، واستدامتها تصب في صالح المستفيدين من هذه المنطقة التي تحمل كل المقومات المطلوبة لنشاط الجريمة المنظمة وتجار السلاح وحتى البشر، بالإضافة إلى الجماعات الإرهابية. والحرب التي تخوضها اليوم القوات المصرية في سيناء ضد الإرهاب، هي جزء من تاريخ تلك العلاقة المعقدة، التي تشهد مدا وجزرا وفق التغيرات المحلية والإقليمية.

 

إعلان القبائل وقوفها مع مؤسسات الدولة لتطهير سيناء من الإرهاب لا يعكس أن العلاقة بين الطرفين في أزهى صورها، لأن هناك قناعة لدى أجهزة حكومية بنجاح التنظيمات الإرهابية في استقطاب فئة من البدو، ما يعني أن هناك جزءا من الإرهاب ينشط من الداخل بعد غلق المنافذ الحدودية من سيناء وإليها

أسست الحرب لشراكة بين الحكومة وقبائل البدو في سيناء، تقوم بمقتضاها القبائل في المنطقة بدعم القوات المسلحة لتتصدى للإرهابيين في محيط المنطقة الجغرافية التي تسيطر عليها كل قبيلة وبالإعلام عن المشتبه بهم، ومساعدة رجال الأمن في التحرك عبر الطرق الوعرة للمنطقة وجبالها.

ويتطلع كثيرون من الجانبين إلى أن يساعد ذلك مع مرور الوقت على محو ذكريات العلاقة السيئة، وهو ما يتوقف على درجة تغير تعامل السلطة مع البدو، وانتقاله من الإطار الأمني إلى نظرة شاملة تسمح بدمجهم في المجتمع كباقي الفئات الأخرى.

مغالطات مدعومة

ما لم تتابع الحكومة المصرية وعودها بتطوير سيناء وشمالها تحديدا، سيبقى السكان في المنطقة يعتمدون على ممارسة الأنشطة غير القانونية لكسب لقمة العيش وستبقى هناك ثغرة رئيسية يتنفس منها الإرهاب، كما ستبقى حالة العداء قائمة بما يعطي تقارير خارجية دعائم ترتكز عليها في قراءتها حتى وإن كانت مسيّسة أو غير دقيقة.

ومن أحدث هذه التقارير ما صدر عن منظمة هيومن رايتس ووتش التي تحذر من “ملامح أزمة إنسانية” في سيناء بسبب ما أسمته “حملة الجيش المصري ضد الإرهاب”. وقالت المنظمة الحقوقية غير الحكومية في تقرير صدر مؤخرا بعنوان “مصر: أزمة إنسانية تلوح في الأفق”، إن “الحملة العسكرية شملت فرض قيود صارمة على حركة الأشخاص والسلع في جميع أنحاء المحافظة تقريبا”.

وأضافت أنه إذا استمر الأمر على هذا المنوال “سيؤدي ذلك إلى أزمة إنسانية أوسع في منطقة هي أصلا مهمشة اقتصاديا، ولا تزال تعاني من العمليات العسكرية المستمرة وهدم المنازل”، وفي ذات السياق تتجه دراسة صدرت عن مركز ستراتفور الأميركي للأبحاث الأمنية والإستراتيجية، تعتبر أن “البدو عدو صنعته مصر”.

وحملت دراسة ستراتفور بعض المغالطات التاريخية كالحديث عن أن “إسرائيل بنت المنتجعات السياحية، في شرم الشيخ وطابا ودهب، خلال فترة سيطرتها وأقامت قواعد عسكرية في سيناء، مما حسن الكثير من أوضاع البدو الاقتصادية في هذه المرحلة”، في حين أن إسرائيل لم تتدخل إلا في طابا فقط، أما شرم الشيخ فتحسب على إنجازات عهد حسني مبارك.

كما أن هناك خلطا للحقائق التاريخية حين تدعي الدراسة الأميركية أن “شبه جزيرة سيناء لم تكن جزءا من مصر حتى عام 1906”، وفي حديث غير منطقي عن أنها “كانت تعتبر امتدادا جغرافيا لفلسطين”، في حين أن مصر وإيالة القدس (فلسطين) كانتا ضمن الإمبراطورية العثمانية، ولم يتم ترسيم الحدود بينهما حتى عام 1906 عندما أجبرت بريطانيا السلطان العثماني عبدالحميد الثاني على ترسيم الحدود بين البلدين، اللذين كانا قد أصبحا تحت الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت، ثم سقطت عندما سقطت المنطقة مرة أخرى من أيدي مصر خلال حرب الأيام الستة عام 1967، هذه المرة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

لكن، الأخطاء التاريخية، وإن بدا بعضها مقصودا، لو اعتمدنا نظرية المؤامرة، ووضعنا هذا الحديث ضمن إطاره الراهن في علاقة بما يروج من أحاديث عن إعادة توطين الفلسطينيين وصفقة القرن، لا تنفي حقيقة أن الحكومات المصرية ساهمت في إعطاء التقارير الغربية التي تتحدث عن تهميش أهالي المنطقة وتركز على البعد الحقوقي والإنساني، الحجة الداعمة لدراساتها.

تاريخ من التوتر

الإرهاب

اعتادت الأنظمة الحاكمة في مصر أن تتعامل مع بدو سيناء وفق الظروف السياسية والأمنية، إذ كانت في عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر قوية وعمل على استمالتهم بشتى الطرق، باعتبار أن سيناء آنذاك كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، ونجح النظام في تجنيد أعداد كبيرة منهم ضد العدو، واستمر الحال في عهد أنور السادات، الذي يحسب له تحرير سيناء في 6 أكتوبر 1973.

وسار نظام الرئيس حسني مبارك على نفس النهج خلال السنوات الأولى من حكمه، لكن مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وظهور تنظيمات إسلامية متشددة في أكثر من منطقة عربية ومنها سيناء، بدأ الأمن المصري يغير نظرته إلى المنطقة وسكانها. وبلغ توتر العلاقة بين الطرفين أشده مع تفجيرات طابا وشرم الشيخ في جنوب سيناء عامي 2004 و2005. ولم ينس بدو سيناء لأجهزة الأمن آنذاك اعتقال أكثر من 3 آلاف منهم ردا على التفجيرات، رغم أن الجماعات الإرهابية الدخيلة على سيناء كانت أعلنت مسؤوليتها عن التفجيرين، ما جعل الصراع يشتد بين الأمن والبدو في سيناء، وتحولت العلاقة بين الطرفين إلى عداء صريح، ولم يسع كلاهما للتهدئة.

وكان عام 2008 نقطة سوداء في تاريخ علاقة الحكومة المصرية ببدو سيناء، بعدما قتل رجال الأمن أحد شيوخ قبيلة الترابين (ثاني أكبر القبائل) بذريعة تهريب المخدرات، ما رد عليه أبناء القبيلة باختطاف 25 ضابطا بينهم قائد قوات الأمن المركزي هناك، ووقعت معركة عنيفة بين الطرفين قتل وأصيب فيها أفراد من البدو والشرطة، حتى تم تحرير المختطفين.

وبسبب هذه الأحداث وما أعقبها من قيام عناصر من البدو بتكرار الخطف لطلب فدية أو الإفراج عن ذويهم المعتقلين، وصل التوتر لأقصى درجاته، بعد قرار الحكومة منع توظيف البدو في المنشآت السياحية والمصانع والشركات العاملة في سيناء، واستبدالهم بآخرين من محافظات الدلتا والقاهرة.

ولم تدخل الحكومة في أي حوار مع قبائل سيناء، للوصول إلى علاقة قائمة على التعايش المشترك وإذابة الجمود والعداء بين الطرفين، الأمر الذي غذى حالة غياب الثقة بين الطرفين.

وبعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن كل أراضي سيناء في سنة 1982، وجدت الحكومة صعوبة لدمجهم في المجتمع بذريعة الشك في الولاء الوطني لبعضهم، ورفضت تجنيدهم في الجيش.  على الطرف الآخر، كان البدو يتوجسون من التعامل الأمني معهم، وبدأ الشعور يتنامى عند أكثرهم بأن الأرض يفترض أن تؤول ملكيتها لهم.

ويتحدث عن ذلك سليم خرافين، وهو مواطن سيناوي، قائلا في حديث مع “العرب”، إن الحكومات السابقة لم تترك لبدو سيناء خيارات شرعية، فهي حرمتهم من حق العمل في المنتجعات السياحية والمشروعات والمصانع وشركات البترول والإسمنت، وما كان أمام بعضهم سوى البحث عن سبيل غير شرعي للإنفاق على أسرته.

وأضاف أن “النظرة التآمرية للبدو من جانب الأمن والإعلام كانت سببا في توتر العلاقة مع الحكومة.. إنهم يعتبروننا خونة وضد مصلحة الدولة، ولم نكن نريد سوى تنمية وتعليم وتحسين معيشة والإفراج عن الأبرياء وتوفير مصادر رزق شرعية.. لم يلجأ بعضنا للعمل غير الشرعي سوى بعد انعدام الخيارات المشروعة”.

في عهد الإخوان، تحسنت علاقة السلطة بالبدو، وتعامل الطرفان معا، أيضا، بمبدأ المصلحة، حيث أفرج الرئيس الإخواني محمد مرسي عن العشرات من المعتقلين من أبناء البدو، وسمح بزيادة الأنشطة عبر الأنفاق وفي ذلك مكاسب حماس وللبدو.

ويقول عيسي سويلم، من إحدى قبائل سيناء لـ”العرب”، “أتذكر واقعة خطف 11 جنديا بسيناء مطلع عام 2013، كان الرئيس الأسبق محمد مرسي يتواصل بشكل شخصي مع بعض شيوخ البدو هاتفيا للبحث عن الجنود وإبلاغه بتطورات الموقف، لأنه كان يريد تعظيم دور القبائل بشكل يخدم علاقات الإخوان مع حماس في غزة، بحيث يتم التشويش على أدوار الأمن ويجعل منهم قوة استثنائية ويكون رجال الإخوان من البدو قوة أساسية“.

ما لم تحول الحكومة المصرية وعودها بتنمية سيناء إلى أفعال وترمم علاقات تدهورت على مدار التاريخ وتعيد بناء ما دمرته الحرب على الإرهاب فإن الأرضية ستبقى ملائمة لتجدد النشاط الإرهابي
ما لم تحول الحكومة المصرية وعودها بتنمية سيناء إلى أفعال وترمم علاقات تدهورت على مدار التاريخ وتعيد بناء ما دمرته الحرب على الإرهاب فإن الأرضية ستبقى ملائمة لتجدد النشاط الإرهابي

وأوضح عيسى أن “هذه كانت مقدمة انتشار الإرهاب والتطرف في سيناء، لأن أكثر مفاصل الدولة جرت ‘أخونتها’، وتم السماح بانتشار السلاح وغض الطرف عن تكوين علاقات بين متشددين في سيناء وآخرين بقطاع غزة الذي تديره حركة حماس، واستفاد البدو من تجارة الأنفاق، وكانت مصدر رزقهم الأساسي، إلى أن تحولت الأنفاق إلى بوابة لعبور الإرهابيين ثم أغلقها الجيش المصري بصعود السيسي إلى الحكم”. وقام الجيش المصري بتدمير نحو 1200 من الأنفاق التي كان البدو يهربون البضائع من خلالها من رفح في سيناء إلى قطاع غزة.

لكن، صمت بعض القبائل على انتشار الفكر المتطرف خلال عام حكم الإخوان لمصر (2013-2012) مقابل جني المكاسب من وراء الأنفاق والسلاح والمخدرات، وضعهم في ورطة مع نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، باعتبارهم أحد مسببات انتشار الإرهاب.ويرى عيسي سويلم أنه لم يكن هناك من خيار سوى التقارب وتلاقي المصالح، لإنجاح عملية سيناء 2018. الحكومة أدركت أنه لا يمكن لأجهزة الأمن تحقيق انتصار ضد الإرهابيين دون تعاون البدو، والقبائل وجدت أنه كلما استمر الإرهاب، فإن مصالحهم وأرزاقهم ستظل معطلة.ويضاف إلى ذلك، أن تحول العناصر الإرهابية لقتل العشرات من أبناء سيناء بذريعة تعاونهم مع رجال الأمن، دفع البدو إلى التحالف القوي مع السلطة، باعتبار أن ذلك ضرورة حتمية للثأر، لكن ما يثير حفيظتهم أن يتحدث الإعلام عن وجود علاقة تربطهم بالإرهابيين.

يقر الشيخ عيسى الخرافين، شيخ مشايخ سيناء، لـ”العرب” بأن هناك عناصر إرهابية من كل قبيلة في سيناء، والحديث عن نجاح التنظيمات التكفيرية في استقطاب شباب من القبائل للانضمام إليها، صحيح لأسباب تتعلق بالفقر والجهل والمقابل المادي الذي يمنح إليهم بشكل يومي، وهذا أحد أسباب استمرار وجود عناصر إرهابية رغم قتل واعتقال المئات منهم.

قضية الولاء

لا يخفي أبناء قبائل سيناء شعورهم الدائم بالاستفزاز حين تثار قضية الولاء والانتماء والوطنية، بعدما فشلت الحكومات السابقة في استثمار جانبها الإيجابي.  وينظرون إلى أن تعاونهم مع الحكومة في إطار الحرب الشاملة ضد الإرهاب بسيناء، يعيد النظرة التي كان يتم التعامل معهم بها خلال فترة عبدالناصر وقت الاحتلال الإسرائيلي، ويمحو الصورة المأخوذة عنهم، ويدفع الحكومة إلى تعويضهم بتنمية المناطق التي يقطنون فيها بسيناء كبديل وحيد لعدم استمرارها بؤرة إرهابية تهدد الأمن القومي.

ويسعى بدو سيناء في هذا الاتجاه بقوة، كما أن الحكومة المصرية أعلنت عن المضي قدما في دعم المشاريع التنموية كجزء من الحرب على الإرهاب، لكن، تبقى تجارب الماضي قائمة، وما لم يتم تجاوز تعقيدات الماضي، فإن دعم القبائل للجيش والشرطة في مواجهة الإرهاب، لا يعني أن السلطة أصبحت ثقتها عمياء في البدو الذين قد ينقلبون إذا شعروا بوقوع ظلم عليهم مرة أخرى.

وإذا ظلت القاهرة تعتبر شمال سيناء أرضا مهمشة وجالبة للمتاعب، مقارنة بالملاذ السياحي المربح في الجزء الجنوبي، فإن الحرب ضد الإرهاب ستتجدد وفق الظروف المحلية والإقليمية.

6