الحكومة المغربية أمام تحدي النهوض بالأوضاع الاجتماعية

دمج وزارات بالحكومة الجديدة في المغرب يندرج في سياق الجهود المعلنة للنهوض بالأوضاع الاجتماعية وتجديد النموذج التنموي في المملكة.
الجمعة 2019/10/11
انسجام حكومي

أجرى المغرب تعديلا وزاريا الأربعاء شملت الحكومة بمقتضاه 23 وزيرا، وهو عدد أقل من التشكيل السابق، وبانتظار الحكومة الجديدة ملفات مهمة وصعبة خاصة على الصعيد الاجتماعي، حيث يأمل الشارع أن تستجيب الحكومة لتطلعاته وتنهض بأوضاعه المعيشية الصعبة.

الرباط – أعلن الأربعاء عن تشكيلة جديدة للحكومة المغربية بعد تعديل وزاري قلص عدد حقائبها من 39 إلى 24، بينها أربع أسندت إلى نساء. ويندرج هذا التعديل في سياق الجهود المعلنة للنهوض بالأوضاع الاجتماعية وتجديد النموذج التنموي في المملكة.

واستقبل العاهل المغربي الملك محمد السادس بالرباط وزراء الحكومة في صيغتها الجديدة بعد إعادة هيكلتها، وينتظر الفريق الجديد ملفات هامة على مستوى اجتماعي وسياسي واقتصادي، وسيكون أمام اختبار النجاح في مهامه الموكلة إليه.

واعتبر رئيس الحكومة سعدالدين العثماني، أن التركيبة الحكومية الجديدة تراعي المعايير التي شدد عليها الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش الأخير، والمتمثلة على الخصوص في إدماج عدد من الكفاءات الجديدة، التي تراعي تمثيلية النساء والشباب، مشيرا إلى أن “عملية التشبيب تعد ضرورية ليس فقط بالنسبة للمسؤوليات العليا لكن حتى داخل الحكومة”.

وكان العاهل المغربي أعلن في خطاب بمناسبة الذكرى العشرين لجلوسه على العرش في أغسطس عن هذا التعديل، بهدف “تجديد مناصب المسؤولية”. وتعهد بتدشين مرحلة جديدة “قوامها: المسؤولية والإقلاع الشامل. مغرب لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة”. كما أعلن عن إحداث لجنة سيعهد إليها صياغة نموذج تنموي جديد.

وأبرز العثماني عقب تنصيب الملك محمد السادس، الحكومة الجديدة، أن نجاعة هيكلة الحكومة الحالية تتجسد، أيضا، في تجميع بعض القطاعات الوزارية، وكذلك في الدور الذي ستقوم به رئاسة الحكومة في التنسيق بينها وإعطاء بعد للالتقائية والانسجام بين مختلف السياسات العمومية.

وشمل التعديل دمج وزارة الثقافة والرياضة والناطق الرسمي باسم الحكومة في وزارة واحدة على رأسها الحسين عبيابة المنتمي إلى حزب الاتحاد الدستوري. ويأتي التعديل الحكومي في ظل ما يعيشه المواطن المغربي من ضغوط معيشية صعبة، أمام تساؤلات على قدرة الحكومة الجديدة على الاستجابة لتطلعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ويرى مراقبون، أن الفريق الحكومي الجديد مطالب بترك بصمات عمل إيجابية على حياة المواطن يشعر من خلالها أن الأداء الحكومي يأخذ بعين الاعتبار وبكل جدية مطالبه الاجتماعية ودعواته في تحقيق تنمية عادلة وتوفير فرص عمل. كما ستكون الحكومة الجديدة محل متابعة في ما يخص تعاطيها مع الاحتجاجات القطاعية المتصاعدة.

ويشير المحلل السياسي محمد بودن لـ”العرب” إلى أن “الحكومة الجديدة ستكمل ولايتها المتبقية قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة، لكن ثمة تحديات ماثلة أمام الحكومة الحالية، وتتجلى هذه التحديات في ضرورة إحداث القفزة اللازمة التي يطالب بها المواطن وتوظيف أمثل للإمكانيات واستثمار الطاقات الشبابية”.

تراهن الحكومة الجديدة على الرفع من نجاعة الاقتصاد ومعدل النمو واستقطاب الاستثمارات لمحاربة البطالة

ويشير محمد بودن، إلى أن نجاح الحكومة في التغلب على التحديات الاجتماعية مع استحضار تحدي ضيق الزمن المتبقي من الولاية الحكومية، يتطلب إرساء دعامات تنموية ناجعة على مستوى قطاعات الصحة والتشغيل والتعليم والسكن. وأصبح بديهيا التسليم بضرورة إحداث هذه الحكومة للتغيير العميق وهذا هو” التحدي الأكبر”، حسب تعبير بودن.

وترتبط أجندة المرحلة الجديدة بعدة رهانات مع ارتفاع وتيرة الاحتجاج في قطاعات مهمة عديدة، فيما ستشتغل الحكومة المعدلة وفق البرنامج الحكومي الذي أقره البرلمان المغربي في أبريل 2017.

وتجد حكومة العثماني المُعدلة أمامها ملفات مهمة وصعبة في آن واحد، بعضها لا يزال يثير جدلا ويخرج النقابات والمواطنين للاحتجاج. وتعرف قطاعات احتجاجات متواصلة، منها الصحة، حيث ينظم الأطباء والممرضون إضرابات واحتجاجات متقطعة منذ ثلاث سنوات، للمطالبة بزيادة أجورهم.

 وتراهن الحكومة الجديدة على الرفع من نجاعة الاقتصاد ومعدل النمو واستقطاب الاستثمارات المحلية والدولية لمحاربة البطالة وإنعاش الطبقة الوسطى.

ويعتقد إدريس الفينا الأستاذ بمعهد الإحصاء والاقتصاد التطبيقي، أن من إيجابيات الهيكلة الجديدة خلق الالتقائية، ووضع حد لتشتت القطاعات، الذي ميز الحكومات السابقة، مؤكدا أنه لا دينامية اقتصادية وتنموية من دون إدارة مرنة وعصرية، وثمن في الوقت ذاته، استقطاب كفاءات القطاع الخاص من أجل الإشراف على قطاعات حيوية، لافتا إلى “أننا بصدد وزارات استراتيجية، تجمع بين قطاعات تفرض إحداث الالتقائية في ما بينها وفق رؤية واضحة”.

ويلفت مراقبون إلى أنه عملا على تحقيق المهام التي يتحملها كل وزير بشكل فعال فقد تم تجميع القطاعات الحكومية تماشيا مع مخرجات الخطاب الملكي لعيد العرش الأخير الذي كان سقفه عاليا، حيث طالب العاهل المغربي بضرورة تجديد مناصب المسؤولية الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق، لقيادة المملكة نحو مرحلة جديدة.

وأوضح الباحث في العلوم السياسية، حفيظ الزهري، في تصريح لـ”العرب”، أن “هذه الهيكلة الجديدة سيكون لها دون شك وقع إيجابي على سرعة وفعالية الأداء الحكومي، وسيكون بوسعها الاستجابة لتطلعات المواطن عبر مشاريع اجتماعية تحارب الفقر والهشاشة وتعمل على إصلاح النظامين الصحي والتعليمي”. ويعتقد الزهري أن “كل هذه الأمور تتطلب جهدا وعملا ميدانيا من قبل أعضاء الحكومة وبشكل تضامني وجماعي وتنسيق أفقي بين جميع القطاعات الوزارية”.

 من جهته، ذكر عادل الخصاصي، الأستاذ الجامعي المتخصص في التشريع المالي، أنّ البنية الحكومية الجديدة تتضمن إشارة قوية لتكريس عرف دستوري جديد في المستقبل، ينبني على تناسب الحقائب الوزارية مع أقطاب التدبير العمومي، ومع البرامج والسياسات العمومية والقطاعية المتبعة.

ومن شأن ذلك تقوية منسوب التنسيق بين الفريق الحكومي من جهة، وتطوير مستويات الالتقائية بين السياسات القطاعية من جهة ثانية، مما يخدم كفاءة أداء السياسات العمومية وينعكس إيجابا على المعيش اليومي للمواطن. وفق تقدير الخصاصي.

ويعد رهان تجديد النموذج التنموي في شقه السياسي والاقتصادي من بين التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، ومن المهام الموكلة إليها، الانكباب على معالم النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه العاهل المغربي في خطاب العرش الأخير، ووضع جيل جديد من الاستراتيجيات القطاعية لدعم الإصلاحات بما يستجيب لطموحات الشارع.

وأكد خالد شيات الأكاديمي المغربي لـ”العرب”، “ضرورة تركيز الحكومة على برنامج صناعي وطني وتنافسي باعتبار أن الصناعة محور التنمية”، موضحا أن “عدم الاهتمام بتطوير صناعة وطنية والاعتماد فقط على صناعات مرتبطة بالشركات العالمية، يصعبان طموح الإقلاع الاقتصادي”.

وتعتبر الحكومة الجديدة أصغر حكومة في تاريخ المغرب السياسي الحديث، حيث حملت ستة وجوه جديدة مع تقليص عدد أعضائها من 39 وزيرا إلى 23، بعد تجميع عدد من القطاعات الوزارية وحذف كتابات الدولة، كما تضم الهيكلة الجديدة 18 وزارة وخمس وزارات منتدبة.

وهذا التعديل الحكومي هو الثاني على حكومة العثماني، بعد تعديل جاء عقب إعفاء وزراء من مناصبهم في أكتوبر عام 2017.‎

اقرأ أيضا:

العاهل المغربي يفتتح الدورة الجديدة للبرلمان

4