الحكومة تنقذ الصين من التحول إلى نادي لتقاعد مشاهير كرة القدم

وضعت الحكومة الصينية نهاية لخطط مندفعة تبنتها أندية في الدوري الصيني الممتاز لكرة القدم تعتمد على عرض مبالغ خيالية على لاعبين كبار في دوريات أوروبية شهيرة. وكادت هذه السياسة أن تودي بطموح الرئيس شين جين بينغ الذي يطمح إلى تحويل الصين إلى قوة عظيمة في صناعة كرة القدم، على أمل الفوز ببطولة كأس العالم في يوم من الأيام.
الثلاثاء 2017/01/31
التطلع إلى المستقبل من زاوية نظر صحيحة

في الوقت الذي كانت تتم فيه إحاطة المهاجم الأرجنتيني كارلوس تيفيز من قِبل المئات من المشجعين لدى وصوله إلى شنغهاي، الخميس الماضي، كان شيانغ رونغ البالغ من العمر 11 عاما يركل الكرة على ملعب موحل في معسكر لتدريب الشباب على الجانب الآخر من المدينة.

من خلال التوقيع مع نادي شنغهاي شينهوا، يُقال إن تيفيز أصبح لاعب كرة القدم الأعلى أجرا في العالم، حيث يكسب ما يُقدّر بـ750 ألف دولار أسبوعيا، أي ضعف ما يجنيه اللاعب الأفضل كريستيانو رونالدو. هذا على الرغم من أن أفضل أيام تيفيز البالغ من العمر 32 عاما هي الآن وراءه.

فورة الإنفاق غير المسبوقة من قِبل الأندية الصينية على النجوم الأجانب مثل تيفيز خلال الموسمين الماضيين جذبت العناوين الرئيسية في جميع أنحاء العالم.

بالنسبة إلى مشجعي كرة القدم مثل رونغ، الذي يُحب مشاهدة الدوري الإسباني والدوري الألماني لكرة القدم، فإن اللاعبين الأجانب هم من يحتاج إليهم الدوري الصيني الممتاز.

ويقول رونغ “أسلوبهم هو أكثر جاذبية. ربما سأشاهد الدوري الصيني الممتاز أكثر إذا كان هناك لاعبون أجانب أكثر”.

لكن لسوء حظه، قررت الحكومة الصينية اتّخاذ إجراءات صارمة ضد ما تسمّيه “استثمارا غير عقلاني” في اللاعبين الأجانب، فهي تخشى أن مالكي أندية الدوري الصيني الممتاز، والكثير منهم مطوّرو عقارات مُثقلون بالديون، يدفعون مبالغ أكثر من اللازم مقابل اللاعبين الأجانب، وأن الصين يُمكن أن تُصبح مكبّا للاعبين المُبالغ في تسعيرهم الذين لا يستطيعون النجاح في المستويات العُليا في أوروبا.

كريستوفر أتكينز: الحكومة الصينية تتطلع إلى تشجيع صناعة معينة، فيصاب الجميع بالجنون، ثم تضطر الحكومة إلى إعادتهم إلى صوابهم

ويخشى المسؤولون الصينيون من أن عمليات الشراء المبالغ فيها لا تفعل الكثير لتعزيز تطوير اللعبة المحلية أو تحسين آفاق المنتخب الوطني صاحب الأداء الضعيف، الذي عانى أخيرا من هزيمة مُذلّة على أرضه لمصلحة سوريا التي مزّقتها الحرب. ويحتل المنتخب الصيني اليوم المرتبة 81 في العالم.

على الرغم من المبالغ الضخمة التي تُنفق على اللاعبين الأجانب، إلا أن الإيرادات التي يولّدها الدوري المحلي ضئيلة، ما يُثير التساؤلات حول مدى استدامة الطفرة.

وبموجب القواعد الجديدة، تستطيع الفِرق الصينية وضع ثلاثة لاعبين أجانب فقط في كل فريق، ويجب على الأندية حجز 15 في المئة من إنفاقها لتدريب الشباب، وستواجه رسوما جزائية إذا اعتُبِرت أنها تُنفق مبالغ أكثر من اللازم على تنقلات اللاعبين الفردية.

كما يُريد اتحاد كرة القدم الصينية أيضا من الأندية أن تخضع لعمليات تدقيق من طرف ثالث، حيث الفِرق المُفلسة يتم طردها من الدوري.

وتضمنت القرارات الاستثمارَ في اللاعبين المحليين، وتوجيه الأموال للتعاقد مع خبراء كرة القدم واستقدامهم لتعليم الناشئين فنون اللعبة، ومن أجل ذلك أطلقت الحكومة الصينية العام الماضي مشروع دوري المدارس، بهدف تخريج 22 ألف لاعب سنويا، بدلا من إنفاقها على لاعبين أجانب، لن يؤثروا في تطوير اللعبة، ولن يفيد وجودهم بأكثر من التواجد الجماهيري في المدرجات.

وقال تشين لونغ، مختص الاقتصاد في شركة جافيكال دراغونوميكس، شركة الأبحاث ومقرها بكين “هناك بالتأكيد قلق بشأن أندية كرة القدم الصينية التي تُنفق مبالغ سخيفة من المال لشراء لاعبين أجانب”.

ويقول ستيفن تينغ، المُعلّق التلفزيوني في جوانغتشو، إن “أجراس الإنذار بدأت تقرع بعد ورود تقارير بأن نادي شنغهاي SIPG دفع في الشهر الماضي مبلغ 64 مليون دولار لشراء لاعب خط الوسط البرازيلي أوسكار من نادي تشيلسي، أي بنحو 40 مليون دولار أكثر مما دفع مقابله النادي البريطاني في عام 2012”.

وقال تينغ “إن أوسكار لم يكُن يلعب حتى بشكل منتظم في تشيلسي لذلك فإن رسوم الانتقال المذكورة جنونية. اضطرت السلطات إلى التصرّف بسرعة”.

واكتسبت الجهود لتحويل الدوري الصيني الممتاز إلى منافس لبطولات الدوري في اليابان وكوريا الجنوبية، الزخم بعد قيام حكومة الرئيس تشي جين بينغ بوضع خطط طموحة في عام 2015، لتحويل الصين إلى قوة في مجال كرة القدم.

الحكومة تخشى أن مالكي أندية الدوري الصيني، والكثير منهم مطورو عقارات مثقلون بالديون، قد يحولون الصين إلى مكب للاعبين المبالغ في تقدير قيمتهم

ورغم أن مشاهدة كرة القدم الأجنبية لطالما كانت شائعة في الصين، إلا أن عددا قليلا من الصينيين يلعبون هذه اللعبة. الرئيس تشي، وهو من مشجعي كرة القدم، يُريد تغيير ذلك من خلال بناء مدارس لكرة القدم، وتطوير الدوري المحلي وفي نهاية المطاف استضافة إحدى بطولات كأس العالم لكرة القدم، ومن ثمّ الفوز بها.

والتعاقد مع لاعبين بارزين فضلا عن مديرين فنيين كبار، مثل لويس فيليب سكولاري في نادي غوانغتشو إيفرغراند، عزز الاهتمام المحلي في الدوري الصيني الممتاز، حيث ارتفع متوسط حضور المباريات بنسبة 10 بالمئة في الموسم الماضي ليُصبح 24 ألف شخص، ما يجعل الدوري الصيني الممتاز إحدى بطولات دوري كرة القدم العشر الأكثر شعبية في العالم.

ودفعت مجموعة الإعلام “لي إيكو” العام الماضي مبلغا قياسيا بمقدار 2.7 مليار يوان (400 مليون دولار أميركي) لتأمين صفقة بث محلية لمدة عامين.

وقال زهير عمار، الخبير الرياضي والمحاضر بالاتحاد الدولي لكرة القدم، إن “الحكومة الصينية رأت ضرورة النظر إلى صناعة عقلية احترافية حقيقية، من خلال جميع المؤسسات، بدلا من حرق الأموال فقط من أجل اللاعبين الأجانب”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن “القرار يبدو متعارضا مع ما أعلنه الرئيس الصيني قبل عامين، لكن دولة عظمى مثل الصين لديها مؤسسات، ولا تعمل إلا ما تراه صالحا لها، لذا فضلت الاستثمار في أبنائها والإنفاق على النشء لصناعة لاعبين كبار”.

وأكد أن “التوجه الجديد لا يتعارض في جوهره مع خطة الدولة للاستثمار في كرة القدم، والتواجد على الخارطة العالمية للعبة”، لافتا إلى أن “القرار ليس معقولا أن يكون وليد اللحظة، بل تمت دراسته جيدا، ومراعاة تأثيراته السلبية على البعض، وعلى رأسهم وكلاء اللاعبين”.

ولو كان هدف الحكومة الصينية نابعا من مجرّد رغبة في جذب الجماهير إلى مشاهدة النجوم، فإن ذلك يمكن تحقيقه عبر تعزيز القنوات التلفزيونية الرياضية المتخصصة، لمشاهدة الدوريات القوية، مثل: الدوري الإنكليزي والإسباني والإيطالي، بما يؤثر سلبا على نسب مشاهدة الدوري المحلي على القنوات المحلية في الصين.

صناعة عقلية احترافية حقيقية من الداخل

ويقول نقاد رياضيون لـ”العرب” إن تدخل الحكومة الصينية جاء في وقته، لأن المال المنفق على اللاعبين الأجانب غير ذي جدوى، ولن يخلق احترافا يحقق الطموح المنتظر لصناعة كرة القدم الصينية، لذلك تمّ البحث عن طريق آخر والتركيز على بناء وتصعيد ناشئين محليين إلى الساحة الكروية الصينية.

وفي حين ارتفع الإنفاق، إلا أن الإيرادات بقيت هزيلة؛ فمعظم الأندية تخسر المال على رسوم انتقال اللاعبين، وتذاكر المباريات تُباع مقابل مبلغ ضئيل يصل إلى 50 يوان (سبعة دولارات)، والباعة الجائلون يبيعون البضائع المزيفة حول الكثير من الملاعب وعدد قليل من المشجعين يشترون البضائع المدعمة من الدولة.

ويقول توم إلسدن من شركة ميلمان، مجموعة التسويق الرياضي في شنغهاي “نموذج الإيرادات يتموقع خلف الدوري الإنكليزي وغيره من البطولات الأوروبية بمسافة ضخمة”.

وخلقت أندية الدوري الصيني الممتاز إيرادات تتراوح بين 16 مليون دولار و64 مليون دولار في الموسم الماضي، وذلك وفقا لشركة ديلويت. هذا مقارنة بمتوسط يبلغ 395 مليون دولار لأغنى 20 ناديا في العالم، بقيادة مانشستر يونايتد وبرشلونة وريال مدريد.

الدافع وراء الحملة على الإنفاق هو أيضا بسبب المخاوف الاقتصادية الواسعة، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تقييد الأموال من مغادرة البلاد لوقف الضغط على العملة المحلية.

ويقول كريستوفر أتكنز، وكيل كرة القدم المقيم في هونغ كونغ، إن “القيود والمبادئ التوجيهية الجديدة هي جزء من دورة الاستثمار المدفوعة سياسيا في الصين. الحكومة تتطلع إلى تشجيع صناعة معينة، ثم يُصاب الجميع بالجنون، وبالتالي تضطر الحكومة لإعادتهم إلى جادة الصواب”.

إلا أن تدبير انكماش مُنظّم يُمكن أن يكون أمرا صعبا. وحذّر أتكنز من أن القيود المفروضة على اللاعبين الأجانب، والشرط الجديد الذي يقضي بأن كل فريق يجب أن يكون لديه لاعب صيني واحد تحت سن 23 عاما على الملعب، من المرجح أن يرفعا من أسعار اللاعبين المحليين -المتضخمة أصلا بسبب القيود الحالية على اللاعبين الأجانب- بشكل غير واقعي.

ويقول تشو هاو، المختص في الاقتصاد ببنك كوميرتسبانك، إنه “من المنطقي شراء لاعبين أجانب من الذين يملكون قُدرة أكبر، لأن اللاعبين الصينيين مُكلفون أكثر من اللازم؛ الأمر يشبه سوق العقارات، إذا كانت شنغهاي مكلفة أكثر من اللازم، فما عليك سوى الذهاب إلى الخارج من أجل الشراء”.

13