الحكومة والدولة والولاية والإمامة.. مفاهيم ملتبسة

الأربعاء 2017/11/01
الفكر الإسلامي يستمر في مناقشة المعادلات المغلوطة

دبي - التاريخ الإسلامي تحول إلى حقل تجارب لممارسات الخلافة الاستبدادية دون الاستفادة من تطور تجارب الأمم المحيطة، ذلك أن “الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة”.

يفرق الشيخ علي عبدالرازق بين تناول الفقهاء للإمامة والخلافة مرادا بهما الولاية العامة أو الدولة بالمفهوم الحديث؛ لكنه يستدرك بأنهم لو قصدوا “الحكومة” بالمعنى الحديث كمرادف للخلافة والإمامة، لما كان الخلاف معهم في شيء لأن غاية الأمر أن “الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحا ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية، يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع: مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية”.

وهذا النص في التفريق بين الحكومة والدولة والولاية والإمامة، يؤكد وعي الشيخ المبكر باختلاف المفاهيم بينه وبين خصومه، في توظيف المصطلحات الشرعية وإسقاطها على الواقع السياسي الحديث، ولا شك أن جمع الشيخ بين العلم الشرعي والعلوم الاجتماعية الحديثة التي درسها في أكسفورد، أسهم في هذا الفصل بين تعميمات الفقهاء لمصطلحات شرعية في سياق سياسي مختلف ومغاير، وبين علم السياسة الحديث الذي أحدث قطيعة مع الأنماط والنماذج القديمة لإدارة الحكم وتسيير الدولة.

الشيخ عبدالرازق لا ينفي حالة التداخل بين الديني والسياسي في الإسلام المبكر، ويؤكد أنه “لا شك في أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطنة، وأول ما يخطر بالبال مثال من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي (صلى الله عليه وسلم) مسألة الجهاد”.

يعنون الشيخ علي القسم الثالث من رسالته بالتفريق بين الرسالة والحكم وبين الدين والدولة، على اعتبار أن المهمة الأساسية للنبي تتصل بالدعوة والجوانب الروحية أو ما يسميه “الولاية الروحية” التي تزكي المسلمين “قد يتناول الرسول من سياسة الأمة مثلما يتناول الملوك، ولكن للرسول وحده وظيفة لا شريك له فيها: من وظيفته أن يتصل بالأرواح التي في الأجساد، ونزع الحجب ليطلع على القلوب التي في الصدور”. فـ“ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب وخضوعه خضوعا تاما يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون له بالقلوب اتصال، تلك ولاية هداية إلى الله وإرشاد إليه، وهذه ولاية تدبير لصالح الحياة وعمار الأرض، تلك للدين، وهذه للدنيا، تلك لله، وهذه للناس، تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية، ويا بعد ما بين السياسة والدين”.

ضرورة التفريق بين الرسالة والحكم وبين الدين والدولة، على اعتبار أن المهمة الأساسية للنبي تتصل بالدعوة والجوانب الروحية

هذا الدور الروحي هو ما تدعمه “ظواهر القرآن المجيد التي تؤيد القول بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن له شأن في الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان”.

يختم الشيخ علي عبدالرازق نظريته حول فصل الديني عن السياسي بالبحث التاريخي بعد أن استنفد استقراء نصوص الكتاب والسنة والحجاج العقلي تجاه المخالفين، ليؤكد أن العرب عبر التاريخ عرفوا أنظمة وسياسات متعددة، فـ“البلاد العربية تحوي أصنافا من العرب مختلفة الشعوب والقبائل، متبانية اللهجات، متنائية الجهات وكانت مختلفة في الوحدات السياسية، فمنها ما كان خاضعا للدولة الرومية، ومنها ما كان قائما بذاته مستقلا، وكل ذلك يستتبع بالضرورة تباينا كبيرا بين تلك الأمم العربية في مناهج الحكم وأساليب الإدارة، وفي الآداب والعادات وفي كثير من مرافق الحياة الاقتصادية والمالية”.

وحدة العرب لم تتم إلا بالدين على الرغم من تشتتهم على المستوى السياسي ويوضح الشيخ عبدالرازق ذلك بقوله “تلك الوحدة العربية التي وجدت زمن النبي عليه السلام، لم تكن وحدة سياسية بأي وجه من الوجوه، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعدُ أبدا أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة، وحدة الإيمان والمذهب الديني لا وحدة الدولة ومذاهب الملك”.

يختتم الشيخ علي عبدالرازق مانفيستو نقض الخلافة الدينية والدولة الثيوقراطية، بأن طرحها الذي اتخذ شكل الفرض والإلزام واستغلال الدويلات المتعاقبة منذ صدر الإسلام إلى سقوطها لمفهومها في تمرير الاستبداد وحكم القهر أسهم في ضعف التطور السياسي لدى المسلمين وفي رأيه “تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين أضلوهم عن الهدى، وعموا عليهم وجوه الحق، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعا، حتى في مسائل الإدارة الصرفة والسياسة الخالصة، وقد ضيقوا عليهم أيضا في فهم الدين وحجروا عليهم في دوائر عينوها لهم، ثم حرموا عليهم كل أبواب العلم التي تمس حظائر الخلافة”.

* خلاصة من بحث يوسف الديني فتنة الخلافة عند عبدالرازق وفصل الدين عن السياسي ، ضمن الكتاب 129 (سبتمبر 2017) “الدولة في التنظير العربي والإسلامي…”. الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13