الحكومي والإسلاموي والوطني

الثلاثاء 2015/12/22
أنين الناي والحنين لثقافة غائبة

كشف المشهد الثقافي التونسي خلال 2015 عن وجود ثلاثة أنماط من الفعل الثقافي: أوّلها نمط حكوميّ لم يقدر على إخفاء حنينه إلى زمن ما قبل الثورة ولم يقطع بعدُ مع عادة تسييس الثقافة وجعلها آلة لخدمة مصالح الأحزاب، ويُدبّر شؤون هذا النمط مثقفون قدامى لهم ارتسامات بوليسية.

تجاوزوا بيُسر سوءات ماضيهم وعادوا يحكمون من جديد وبالحديد مصائر الثقافة والمثقّفين عبر آليات الإقصاء والتشويه ونظام العصابات الحزبية أو الجهوية، بل هم لا يتوانون لحظة عن إغلاق كلّ المنافذ الرسمية التي يمكن أن يُطلّ منها مبدع شابّ على جمهور الناس، يفعلون ذلك خشيةَ أن ينكشف تهافت منجزاتهم التي كرّسوا عُلويتَها أيام الغفلة. وإنه ليسهل الوقوف على حقيقة هذا النمط الثقافي عبر النظر في تاريخ المشرفين على الأنشطة الثقافية الحكومية والفاعلين فيها وطبيعة انتماءاتهم الحزبية.

وثاني الأنماط الثقافية نمط إسلاموي تخفّى وراء تقيّة “ما قال الله والرسول” وراح يتخذ له من أنشطة الجمعيات المدعومة من بعض الأحزاب أو من المانحين الخارجيين سبيلا إلى تمرير مقولاته الفكرية التي يتغيّا فيها تحويل وجهة الثقافة التونسية الموسوم تاريخُها بالتسامح والمشبَع بكلّ القيم الكونية صوب ثقافة أخرى هجينة وعُنْفيّة لا تعترف بالإبداع وتُحرِّم استعاراته ومجازاته.

والنمط الثقافي الثالث وطنيّ ومنفتح على ثقافات العالَم، وقد أفصح، رغم قلّة موارده المالية، عن ثراء اجتهادات الفاعلين فيه ووجاهتها الفنية والفكرية والجمالية، وأبان عن حقيقة أنّ للثقافة في تونس مثقّفين مَدَنيِّين أحرارا يحمونها من كلّ انتكاسة ومن كل فوضى.

15