الحكي في المسكوت عنه

الأحد 2016/04/10
عرض مسرحي يطرح التساؤلات الجريئة

يستمد عرض الحكي الذي تقوده المخرجة الشابة سندس شبايك بمشاركة سبع ممثلات هاويات تحت عنوان “آنسة ولاّ مدام؟” مادته الأساسية من وحي عشرات الشهادات الحقيقية لنساء وفتيات مصريّات، وهو واحد من ضمن عشرات العروض وورش الحكي التي رعتها مبادرة “بصّي” المهتمة بقضايا المرأة والتعبير فنياً عن المشكلات الشائكة التي غالباً ما يتم التعامل معها كـ”تابوهات” لا تصحّ مناقشتها على نحو عام، كقضايا التحرش والاغتصاب والتمييز وجرائم الشرف والختان والعنف الأسري والزواج القهري، والاعتداء الجنسي على الأطفال وعديد القضايا الأخرى التي يتمّ تجاهلها عادة في النقاشات العامة المتعلقة بالمرأة. ويدعونا العرض الأخير الذي قدّم على مسرح المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة في حفلين منفصلين إلى التفكير بعمق في أثر الضغوط النفسية الذي تعانيها الفتيات غير المتزوّجات في مجتمعاتنا.

يستقبل العرض جمهوره بأصوات تقليدية لحفل زفاف ليمد خيوط التواصل الأولى مع الحضور في حين تنهمك مجموعة من الفتيات على خشبة المسرح في تهيئة العروس. بعد الانتهاء من هذه الطقوس الأولى يبدأ الحكي.

تبدأ الفتيات واحدة تلو الأخرى في سرد تجاربهن الشخصية مع فكرة الزواج، فالفتاة عليها أن تتعامل مع مجموعة كبيرة من المحاذير التي لا تنتهي، حفاظاً على أنوثتها أو حفاظاً على سمعتها وسمعة أهلها؛ تبدو هذه المحاذير في أحيان كثيرة متناقضة مع بعضها البعض، وتستند في الغالب إلى موروث من العادات والتقاليد المشوشة، بداية من ركوب الدراجات إلى قصّات الشعر القصيرة ونوعية الملابس وطريقة الحديث.

في هذه الحكايات لا تهدف نصائح الأم والأقارب عن نموذج الفتاة المؤدّبة إلا لغرض واحد، هو زيادة فرصها في الارتباط، وهو ارتباط مرهون بالمخاطر أحياناً. ففي ظل هذا التعتيم الذي يحيط بفكرة الزواج، لا تستطيع الفتاة أحياناً تفسير العديد من الطقوس والعادات المتوارثة والمرتبطة بعملية الزواج والارتباط. يقدّم العرض نماذج لهذه الأمور الشائكة، كعلاقة الجسد بالأخلاق، وارتباط الشرف العائلي بغشاء البكارة.

هذه الحكايات يتمّ سردها واحدة تلو الأخرى، داخل دائرة افتراضية مرسومة على الأرض تقف الواحدة تلو الأخرى لتروي قصّتها، حكايات متعددة عن المعاناة اليومية في العمل والشارع. هذه المعاناة قد تكون أكثر حدّة لدى الفتاة غير المتزوجة، فغالباً ما يتردّد على مسامعها هذا السؤال “آنسة ولا مدام؟”، قد يحدد هذا السؤال أحياناً شكل العلاقة بين المحيطين بها، غير أن عليها مواصلة السعي والتغاضي أحياناً عن المضايقات التي تصل إلى حد التحرش والفهم الخاطئ للقناعات الشخصية لها.

عرض آنسة ولا مدام؟ من إخراج سندس شبايك، وهي في نفس الوقت من مؤسسي مبادرة (بصي)، وعن طموحها المتعلق بالمبادرة تقول شبايك مبادرة (بصي) لم تكن مبادرة للحكي الفني في البداية، بل كانت مبادرة للتوثيق

“آنسة ولاّ مدام؟” هو عرض في إطار التطوير ضمن مجموعة من العروض الأخرى التي تتصدّى للعديد من قضايا المرأة المصرية وتتبناها مبادرة “بصّي”، والتي تتصدّى لمثل هذه القضايا من طريق العروض الفنية وورش العمل واللقاءات المستمرة. تتيح العروض للسيدات والفتيات والرجال على حدّ سواء إيصال أصواتهم في شكل فنيّ يخدم النقاش حول قضايا المجتمع، مع تسليط الضوء على قضايا المرأة على نحو خاص.

تقوم مبادرة “بصّي” بتدريب المشاركين على طرق الحكي المختلفة ومواجهة الجمهور. اللافت أن كثيرا من المشاركات في هذه العروض يخضن تجربة التمثيل لأول مرة. غادة خليفة هي شاعرة وفنانة تشكيلية وواحدة من ضمن المشاركات في عرض “آنسة ولاّ مدام” وتعدّ هذه التجربة هي الأولى لها كممثلة، لكنها تعبّر عن سعادتها بها، وترى أن التمثيل في حد ذاته ينطوي على طاقة كبيرة، وأن متعة التعبير أمام حشد من الجمهور تستحقّ المغامرة، فالثقة والطاقة المستمدة من خلال تلك المواجهة تعد أمراً إيجابياً لأيّ فتاة.

عرض آنسة ولاّ مدام؟ من إخراج سندس شبايك، وهي في نفس الوقت من مؤسسي مبادرة “بصّي”، وعن طموحها المتعلق بالمبادرة تقول شبايك “مبادرة ‘بصّي’ لم تكن مبادرة للحكي الفنّي في البداية، بل كانت مبادرة للتوثيق من طريق اللقاءات المختلفة مع السيدات والفتيات، بعدها تمّ التفكير في عرض وإخراج هذه التجارب المختلفة التي تمّ توثيقها في شكل فنّي على المسرح أمام الجمهور، وكلّ ما أرجوه أن تستمر هذه المبادرة في كسر حالة الخوف العلني من النقاشات في مثل هذه الأمور، على الناس أن يعرفوا ما يحدث بالفعل في المجتمع، ويتعرفوا على هذه الجوانب المسكوت عنها، فالتعتيم والتجاهل في رأيي يفاقم المشكلة ولا يحلها”.

كاتبة من مصر

15