الحلفاوين حي يختصر الأجواء الرمضانية في تونس

من هذا الحي خرجت الصحافة السّاخرة والهزل والمزاح، دون أن ننسى العديد من الفنانين والمشاهير الذين عاشوا بين هذه الأسوار.
الجمعة 2019/05/24
الحلفاوين تزداد جمالا في رمضان

 تونس - من القلب النابض لمدينة تونس وعمق تاريخها، يتربع حي الحلفاوين أو كما يسمى أيضا بـ”الربض الأخضر”، مكونا لوحة فنية متجانسة، عبر شوارعه وسوقه الشهيرة وجامعه ومقاهيه، عاكسا ثقافة شعبية ضاربة في القدم. تقف قبالة أشهر المقاهي

الموجودة بالحي فتأخذك في رحلة عبر الزمن إلى حلقات “الفداوي” (الحكواتي) التي كانت تزين ليالي رمضان زمان، وذاك الساحر البهلواني الذي يجلب إليه انتباه الأطفال عبر ألعاب تنمي ذكاءهم وخيالهم.

يقول الباحث محمود زبيس عن السهرات الرمضانية الشيقة أو حفلات الحلفاوين، “كانت الليالي والسهرات الرمضانية بالحلفاوين ذات رونق خاص وكنا نحن الأطفال والشباب نقبل بكثافة على العروض الفرجوية لنوعية العروض التي تعتمد على الفرجة والإبهار التي يتم تنظيمها في ساحة الحلفاوين وتحتضن الخيام العديد منها”.

وتمر في الشارع الرئيس للحي، فيجذبك صوت ذاك البائع المتجول بعربته، مرتديا “الدّنقري” (زي محلي) ملقيا “زنّاره” (كوفيّة) على رقبته، ومشموم الفل التونسي على طرف أذنه، يهتف بين الفينة والأخرى مناديا لجلب الزّبائن ومتغنيا بما يعرضه من سلع.

تقول روايات السابقين، إن الحي استمد تسميته من باعة الحلفاء الذين كانوا وحتى بداية القرن التاسع عشر، ينتصبون لبيع الحلفاء (مادّة أولية تستعمل في صناعة الورق والسلال والأبسطة.)

ولا يمكن الحديث عن حي الحلفاوين دون المرور بتلك التحفة الفنية التي تتوسطه، جامع “صاحب الطّابع” آخر جامع عثماني بتونس، الذّي بني في طابق علوي مطل على كل أزقة الحي وكأنّه عين لا تغفل عن حراسته ليل نهار.

جامع “صاحب الطّابع” آخر جامع عثماني بتونس
جامع “صاحب الطّابع” آخر جامع عثماني بتونس

عن هذا المعلم التّاريخي المميِّز “للحلفاوين” يقول معتز عكاشة رئيس جمعية صاحب الطابع للثقافة الإسلاميّة (غير حكوميّة)، “بناه يوسف صاحب الطابع بلخوجة (1765/1815)، من أصول عثمانية، كان وزيرا في عهد حمودة باشا الحسيني سنة 1814، وهو يعد من أرقى ما وصلت إليه الحضارة العالمية، وتجسد ذلك في الفنون الجميلة والزخرفة التي زينت جدرانه وأعمدته”

ويتابع عكاشة، “تتمثل ميزة الجامع في علوه، ذلك أنّه بني في طابق علوي مطل على الربض الأخضر، وأنّ كل الأنشطة التجاريّة والاقتصاديّة والاجتماعية وحتى الفلكلورية تدور حوله”.

في أيام رمضان، تنبعث رائحة خاصّة تميز بها شهر الصيام على مرّ العصور في الحلفاوين، حيث تفوح روائح “الخبز” الدياري (الذّي يصنع في البيت) والزلابية والمخارق (حلوى تقليدية) وكل ما لذ وطاب من الحلويات التقليدية التونسية.

يقول عكاشة، “لهذا الحي رونق خاص في شهر رمضان، خاصة بسوقه الثرية بمختلف أنواع الأكلات والحلويات التّونسية وباعته الذين ينتصبون على قارعتي الطريق مرتدين ألبسة تقليدّية كالزنار والجبة التونسية والفرملة البدعيّة والدنقري”.

تغيرت الأزمان إلا أن هذا المكان بقي محافظا على رونقه خاصة في المناسبات الدّينية والأعياد، فقاطنوه ظلوا متشبثين بتراثهم وعاداتهم القديمة.

وبعد الإفطار، يتجه جموع المصلين إلى جامع “صاحب الطّابع”، فيما يتسامر آخرون بمقاهي الحي الشّعبية، على غرار مقهى التوتة ومقهى سيدي عمارة وقهوة الفزاني، كما يلتقي آخرون في بطحاء الحلفاوين التي كانت تحتضن الأنشطة الثقافيّة وحلقات الحكاوي وعروض السطمبالي (نمط موسيقي قديم‎) والمدائح والأذكار.

ويضيف عكاشة، “من أبرز ما ميز رمضان في هذه الرّبوع، بوطبيلة (المسحراتي) الذي كان يجوب الأزقة مناديا النّاس إلى النهوض وتناول وجبة السحور، صانعا تواصلا كبيرا بين أفراد العائلة الواحدة”.

ويشير إلى أنّ “شهر رمضان كان بمثابة مهرجان يجمع كل اللوحات الروحية والفنية والثقافية التي بقيت راسخَة في الذّاكرة الشعبية التونسية”.

حي “الحلفاوين” كان كذلك، معقلا لعدد من مشاهير تونس ونجومها.

وفي هذا الشأن، يقول رئيس جمعية صاحب الطابع، “من هذا الحي خرجت الصحافة السّاخرة والهزل والمزاح، دون أن ننسى العديد من الفنانين والمشاهير الذين عاشوا بين هذه الأسوار، أمثال صالح الخنيسي، وشبيلة راشد، وصالح عامر، وكُلّهم أثروا مشهد المدينة العتيقة ومنحوه ميزة خاصّة”.

ويؤكّد عكاشة على غيرة سكان الحي وتشبثهم بتراثهم، وإصرارهم على المحافظة على “التراث اللامادي والمادي له”، معتبرا عودة الأعمال الدّرامية في رمضان إلى استحضار أجواء مراحل تاريخية سابقة، دليل عل ذلك، حيث تذكر بأجواء المدينة العتيقة.

ويشير إلى أن جمعية صاحب الطابع تعمل على إحياء ذاكرة الحي، عبر إنتاج وثائقيات وتنظيم معارض صور وحلقات الفداوي وعروض سينمائية ومسامرات وسهرات فنية.

وإلى جانب الحلفاوين، نجد باب سويقة الحي الذي يتميز بشدة تعلق قاطنيه بالعادات والتقاليد التي طبعت تونس منذ القدم، إذ تشهد المنطقة في شهر رمضان احتفالات ومواكب عديدة اختلفت أشكالها وطرق ممارستها، أي بين الأشكال الصاخبة والحديثة التي جاء بها الاستعمار الفرنسي والأشكال التقليدية المحافظة التي تمثل تراث أهل المدينة.

20