الحلقة المفقودة

الجمعة 2014/07/25

أعتبر نفسي من المعجبين بكتابات المفكر المصري الراحل زكي نجيب محمود الذي أغنى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في حقول الفلسفة، والنقد الأدبي، والترجمة، والبحث النقدي التراثي والرأي السياسي المؤسس على الركيزة الفكرية الرصينة. أعتقد أن كتابات هذا المفكر قادرة أن تساهم في خلق نهضة ثقافية عربية لو استثمرت، وفعَلت، وعوملت كبرنامج نظري وعملي منسق في حياتنا اليومية.

ومما يؤسف له أن أغلب ما كتب حتى هذه الساعة عن نجيب محمود من أطروحات جامعية أو مقالات نقدية أو صحافية يدور غالبا حول الموقف الفلسفي الوضعي المنطقي الذي تبناه هذا المفكر منذ بدايات تشكل شخصيته الفكرية عندما كان طالب دراسات عليا في حقل الفلسفة بجامعة لندن، أما كتاباته التي تتناول الهموم الثقافية والمشكلات الحضارية الأساسية ذات الطابع اليومي التي نواجهها بصفة دائمة في مجتمعاتنا فهي شبه مهملة.

في هذا السياق أرى أن هذا النوع من الكتابات ليس مجرد تصورات أو آراء أو وجهات نظر وإنما تمثل في رأيي برنامج عمل متكامل جدير أن يفعَل وأن يطبق على مستوى الحكومات والمجتمع المدني معا. وفقا للدكتور نجيب محمود فإن الحياة الثقافية بمعناها الواسع وبجوانبها المادية والروحية تتركب من ثلاثة أركان جوهرية تترابط عضويا وهي: الركن الأول المتمثل في الإنتاج الأدبي والفني.

والركن الثاني الذي يدعوه بالجانب التنفيذي ويتلخص في أعمال وإنتاج “رجال القانون والاقتصاد والاجتماع والطب والتعليم والسياسة الذين تبرز مهمتهم كالتالي: “فرجال القانون يضعون التشريع الذي يتفق مع الوضع الجديد، ورجال الاقتصاد يوجهون النشاط الاقتصادي في الاتجاه الذي يرونه ملائما، ورجال الخدمات الاجتماعية بشتى صنوفها يؤدون ما ينتظر منهم أن يؤدوه لخلق المجتمع الجديد، ورجال السياسة وراء هذا يدبرون وينسقون لتنسجم النغمات في لحن واحد”.

أما الركن الثالث الذي يعتبره نجيب محمود حلقة وسطى مفقودة في بلداننا فهو عدم التحاق المفكرين بالأدباء والفنانين وبممثلي الركن الثاني المذكورين سابقا لصياغة مشروع النهضة المتطورة لنقل بلداننا المتخلفة إلى فضاء التقدم والرقي.

إن ابتكار هذه الحلقة المفقودة، وبناء تقاليد الفكر النظري الذي يتحدث عنه الدكتور زكي نجيب محمود ببلداننا مطلبان مستعجلان وحيويان فعلا ولكنهما مشروطان بإنجاز إحداث تحويل راديكالي للبنية الكلية للمنظومة التعليمية المتخلفة والمكرسة في بلداننا والتي أصبحت متخصصة في تفريخ طوابير أنصاف المتعلمين الذين يتكدسون في مختلف المؤسسات كمجرد موظفين عاطلين عن التفكير النظري الخلاق وعن والإبداع.


كاتب من الجزائر

15