الحلم الأميركي في صورة

سبعة فنانين يجتمعون في باريس للاحتفاء بالفضاء الهوليوودي في محاولة نوستالجية لتلمس جماليات حقبة لم تكن فيها الشاشات مهيمنة على حياتنا.
الأحد 2018/02/25
من تعبيرات الحلم الأميركي

تستضيف صالة ساكورا في العاصمة الفرنسية باريس سبعة فنانين فوتوغرافيين في معرض جماعي بعنوان “الحلم الأميركي – جماليات هوليوود القديمة في الخمسينات والستينات”، وفيه تحضر مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تجمع بينها ملامح فضاءات سينمائية تحاول تلمّس مفهوم الحلم الأميركي، هذه الفضاءات رسمها سابقا مخرجون كبار كديفيد لينش وألفريد هيتشكوك وتوب هوبر وغيرهم، ليأتي المعرض احتفاء بهوليوود والصورة التي قدمها لنا عن أميركا بأحلامها وكوابيسها.

خطرت موضوعة المعرض لصاحب الصالة جان بابتيست سيمون إثر اطلاعه على مجموعة من صور الفنانة فانغ تونغ التي كانت في زيارة لباريس، المجموعة التي تحمل اسم “هروب” التقطتها تونغ في الولايات المتحدة أثناء رحلة قامت بها من شيكاغو حتى لاس فيغاس دون أن تحدد مسبقا أين أو كيف ستلتقط الصور، وبعد أن نالت الصور إعجاب سيمون قرر إقامة معرض عن الحلم الأميركي بالتعاون مع فنانين آخرين تناولوا ذات الفكرة.

عمل ينتمي إلى فن البوستر: النموذج الأميركي
عمل ينتمي إلى فن البوستر: النموذج الأميركي

في سلسلة صور “هروب” التي كانت سبب إقامة المعرض نشاهد تونغ نفسها بوصفها مسافرة برداء أحمر جذاب، حاضرة ضمن فضاءات تثير الريبة تحاكي تلك التي يخلقها ديفيد لينش في أفلامه، حيث نترقب حدوث فاجعة وكأننا في كابوس مؤجل، كما نرى تونغ دوما عابرة في الطريق، وكأنه مساحة للهروب الدائم والانعتاق من المكان وضروراته، كونه نقطة وصل بين مكانين ولا يحمل في ذاته سوى احتمالي الضياع أو الحرية.

يستضيف المعرض أيضا سلسلة من الصور للفنانة الفرنسية أماندين بيساسير بعنوان “حكايات البارحة الأزرق”، تستعيد فيها الأزياء والفضاءات العمومية التي كنا نراها في أفلام الخمسينات الأميركية، كصالة البولينغ التقليدية وسينما الهواء الطلق وغيرهما، وتصف بيساسير المجموعة بأنها تعكس مرحلة البلوغ لدى المرأة في الولايات المتحدة، والتجارب التي تمر بها أثناء مراهقتها، لنرى في الصور القلق المرتبط برؤية المرأة لذاتها وتقييمها لجسدها إثر خضوعها لتحديقة الذكر المهيمنة.

نشاهد في المعرض كذلك مجموعة من الصور التي يقتنيها أندريه روبيه والتي تعود إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ نرى فيها شوارع نيويورك ولوس أنجلس وغيرهما من المدن التي تعتبر أيقونات الثقافة الأميركية، إذ نرى أناسا عشوائيين يمارسون حياتهم اليومية، وكأن الصور توثق الفضاءات العامة ومن يشغلها ضمن سياق طبيعي، لتقدم لنا انطباعات عن حياة المدينة المتسارعة وأولئك الغرباء الذين نلمحهم لمرة واحدة فقط وهم يركضون إلى أعمالهم ومواعيدهم.

تبرز بين المجموعات المعروضة الصور التي تعود للفنان الأميركي بامبي والتي تعكس النوستالجيا إلى حقبة الخمسينات، مع التركيز على الصورة النمطية للمرأة الشقراء الجميلة التي يتم التعامل معها كأيقونة جنسية، إذ نراها في صوره رمزا للتسويق والاستهلاك وأقرب إلى لعبة بلاستيكية مصممة لجذب المشترين، وكأن بامبي يحتفي بتلك الحقبة وينتقد تصوريها للمرأة في ذات الوقت.

 كما نشاهد مجموعة من صور الفنان الكندي إيان بول، والتي تكسر الصورة النمطية للأبطال الخارقين، كسوبر مان وباتمان وغيرهما، عبر وضعهم في سياقات مضحكة لا تنتمي لسلوكهم “الخارق”، ما يخلق مفارقة تحفز المخيّلة، إذ نرى البطل الخارق بزيه الكامل يمارس حياة شخص طبيعي بتفاصيلها المبتذلة واليومية، ما أكسب أعماله بعدا ساخرا وكوميديا.

ذات المقاربة نراها في أعمال دايفد إيغير الذي نرى في إحدى صوره تماثيل مصغرة لأبطال فيلم حرب النجوم وهم يشربون القهوة في مقهى تقليدي مصغر صنعه الفنان بنفسه أو نرى الشخصيات ذاتها تتصارع في حلبة مصغرة أمام صيحات الجمهور، فإيغير يدمج أشكال التعبير المختلفة ويدمج بين السياقات مبددا المسافة بين الراقي والهابط، كأن نرى الموناليزا وهي ترتدي قناع باتمان.

نموذج للضخامة والقوة
نموذج للضخامة والقوة

يحوي المعرض أيضا عددا من الصور واللوحات للفنان الأميركي تايلر كاليري، والذي سبق لصوره أن كانت على أغلفة أشهر الصحف والمجلات العالمية، فلوحاته وصوره أقرب للكولاج تحمل خصائص البوب آرت والقصص المصورة إلى جانب توظيفه لموتيفات التكنولوجيا الحديثة المرتبطة بحياتنا اليومية، كما تحضر تكوينات تعكس تاريخ فن الإعلان وبوسترات السينما بلمسة معاصرة، نتلمس في أعماله أيضا طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى في تلك الحقبة، وخضوع الأخيرة للذكر بوصفها دوما ضعيفة وبحاجة للإنقاذ في حين أنه قوي ومهيمن وقادر دوما على مواجهة المصاعب والمشكلات.

مجموعة الصور في المعرض أقرب إلى الباستيش والذي يمثل احتفاء بشكل أدبي أو فني عبر استعادة خصائصه وأشكال التمثيل المرتبطة به دون صيغة نقدية عميقة، فهذا النوع الفني لا يحوي الكوميديا الساخرة التي تتميز بها البارودي أو الابتذال الذي يحتويه الكيتش، فالمعرض يسعى لمحاكاة الصورة المتخيّلة لما يمكن أن يسمى الحلم الأميركي وأنماط الحياة والتعبير المرتبط به، في محاولة نوستالجية لتلمس جماليات حقبة لم تكن فيها الشاشات مهيمنة على حياتنا وصناعة الصورة ونشرها لم تكن تتم بلمسة فقط.

14