الحلم الأميركي مطبوعا على قماش

التداخل بين العلمي والفني، والراقي والمبتذل يشكل أحد أبرز عناصر البوب أرت، الذي جعل من العمل الفني تجربة تحاول إعادة تعريف علم الجمال.
الأحد 2018/08/19
تاريخ البوب أرت

يرى الكثيرون أن الحلم الأميركي ليس إلا وهما وبروباغاندا حكوميّة للهيمنة على الشعوب، وأن الولايات المتحدة ليست إلى نظاما استعماريا مصمما ليحافظ فيه الأغنياء على أموالهم، ويبقى الفقراء على حالهم،  وخصوصا حاليا، في ظل رئيس عنصري وذكوري، تحولت إثره أميركا إلى نظام متنمر عالمي، يطرد المهاجرين، ويمنع اللاجئين من دخول أراضيه، هذه التغيرات السياسية جعلت الحركة الفنيّة منهمكة في انتقاد السياسات الرسميّة، إلى جانب سعيها لمواجهة اليمين المتطرف، ذاك المتعجرف الذي يرى في الحلم الأميركي ملكيّة لفئة بيضاء غنيّة.

تقيم مؤسسة كوستيدا في العاصمة الفرنسيّة باريس بالتعاون مع المتحف البريطاني ومؤسسة الفن الأميركي، معرضا بعنوان “الحلم الأميركي من البوب أرت إلى أيامنا هذه”، ونشاهد فيه 100 عمل حفر وطباعة لـ42 فنانا أميركيا من جيل الستينات حتى الآن، يجمع بينهم تبنيهم لهذا الوسيط الجماهيري، الذي يشكل جزءا هاما من ثقافة البوب، بوصفه يعيد قراءة التاريخ الفني ويحوله إلى منتجات شعبيّة، والعكس صحيح، إذ تتداخل المعرفة التقنيّة والرؤية الجماليّة في هذه الأعمال، لتقديم منظور مختلف للثقافة الجماهيريّة، لكشف أبعادها الأيدولوجيّة، والخطاب السياسي الذي تحاول تمريره عبر التلفاز والصحف والأفلام.

ريشة الحريّة الملونة
ريشة الحريّة الملونة

شهدت الستينات في أميركا العديد من التغيرات السياسية، كاغتيال الرئيس جون كيندي والهبوط على سطح القمر وحرب فيتنام، وغيرها من الأحداث التي شكلّت تاريخ أميركا المعاصر، ترافق ذلك مع  البوب أرت بوصفه مساحة للعب الحر، حيث تحول الرفض إلى نشاط فني من جهة واستهلاكيّ من جهة أخرى، ليكون العمل الفني وسيلة للتعليق على الحكايات الرسميّة ورموزها، وهذا ما نراه في عمل لروبرت روشينبرغ أنتجه عام 1969، وفيه صور للقاعدة الجويّة التي انطلق منها أول صاروخ نحو الفضاء، إذ تتداخل  الصور الرسميّة مع المقاييس الرياضيّة والألوان المختلفة، لنتلمس المفارقة بين الدقّة التي يحويها المخطط العملي وقياساته، وبين لطخات الألوان التي تسببها آلية الطباعة.

هذا التداخل بين العلمي والفني، والراقي والمبتذل أحد أبرز عناصر البوب أرت، الذي جعل من العمل الفني تجربة تحاول إعادة تعريف علم الجمال، واختبار القدرة على محاكة التاريخ الفني الراقي وتاريخ الإعلان الشعبي، وإزالة الفروقات بينهما، بوصفها سياسية ومؤسساتية، كأعمال أندي وارهول التي تتكرر وتطبع مرارا، أو تلك التي تدمج تقنيات الإعلان التجاري مع الصور الصحافية والقصص المصورة كأعمال روي ليشتنستاين، التي تتداخل فيها الألوان الفاقعة مع صور الرئيس كندي ومارلين مونرو وقالب للحلوى، وكأننا نشاهد جرعة مركزة من التلفاز، حيث خبر اغتيال كندي ثم خبر عن عشيقته ثم إعلان للطعام، وكأن مساحة الطباعة تشويه سيمائي لسياسات التلفاز والهيمنة الرمزيّة التي يمثّلها.

إيقونات الشاشة اللامتناهيّة
إيقونات الشاشة اللامتناهيّة

نشاهد في المعرض أيضا المقاربات الجماليّة المختلفة للطباعة والحفر، كالمفاهيمية والتصغيرية، ففي مجموعة أعمال للفنان دونالد جود، نلاحظ الدقة الهندسية، والمربعات والخطوط الأفقية والعمودية، إذ يوظف الشكل ثلاثي الأبعاد، في تعليق على التطور الصناعي والنزعة نحو التكميم وتقسيم العمل، كما أنّ رائد التصغيرية، لا يعتمد فقط على الممارسة الفنيّة، بل على التنظير أيضا، إذ كتب مبشرا بفن أميركي جديد، رافضا الجماليات الأوروبية المثاليّة، خالقا حسب تعبيره “فضاءات واقعيّة”، تتلاءم مع طبيعة التغيرات الاقتصادية والصناعية التي كانت تمر بها الولايات المتحدة.

يحوي المعرض أيضا أعمالا لفنانين معاصرين، مشغولين بالشأن السياسي والاجتماعي، كـكي كي سميث، التي تغلب على أعمالها القضيّة النسويّة، لتكون أشبه بأيقونات ترصد التحولات الثقافيّة والسياسيّة التي تمر بها المرأة، كذلك نرى أعمالا لكارا والكي ، كـ”لا عالم” والذي نتلمس فيها تعليقا على الهجرات نحو أوروبا، والآلاف من الهاربين الذين لا أرض تستقبلهم، لتبق لهم المياه، كامرأة تحتضنهم، وتحاول بصورة عدميّة إنقاذهم من الغرق.

13