الحلم العربي

السبت 2017/06/10

لم يكن مفاجئا أن يوصي الكاتب الإسباني خوان غويتيصولو بدفنه بالمغرب. لكنه خلقَ المفاجأة، كعادته، حينما فضَّل أن يكون موئلُه الأخير جنب الكاتب الفرنسي جون جونيه، بمدينة العرائش، التي تبعدُ عن مدينة مراكش بخمس ساعات، هناك حيث قضى غويتيصولو حوالي ثلاثين سنة، جنب ساحة جامع الفنا الشهيرة.

بين لحظتي وفاة الرجلين، وقبل أقل من شهر بالضبط، كان المترجم البريطاني دينيس جونسون ديفز قد وُوري الثرى بالقاهرة، بناء على وصية منه.

أشيا كثيرة تفرق الرجال الثلاثة. انتماؤهم إلى أجيال مختلف وإلى فضاءات لغوية وثقافية، تطبعها تنافسيةٌ شديدة على مستوى فرض نفسها على مستوى العالم. أما ما يجمعهم فهو انتصارهم لمحبة الثقافة العربية.

بعد نهاية الحرب العالمية، انتقلَ دينيس من القاهرة إلى لندن، ليلتحق بالدراسة في جامعة كمبردج، حيث اختار دراسة اللغة العربية في قسم لم يكن يتجاوز عدد طلابه الثلاثة. كان أحدهم هو أبا إيبان، الذي سيصير وزير الخارجية الإسرائيلي. أما دينيس فسيرفض صداقةَ أبا إيبان، فالشاب البريطاني الذي تربىَّ في مصر كان يعشق العرب ويكره إسرائيل بشدة! كما يحكي عن ذلك. وأما أعمال دينيس جونسون ديفز في مجال الترجمة فستصير المعبرَ الأساس لتعَرُّف القارئ الغربي على الأدب العربي، بعيدا عن النظرة الاستشراقية الضيقة.

في الجبهة الأخرى، وابتداء من سبعينات القرن الماضي، وكما يشير إلى ذلك الطاهر بنجلون في كتابه “جون جونيه، الكذاب الرفيع”، ستنقطعُ علاقة جون جونيه مع سارتر وكوكتو، حيث صار متفرغا للصراعات الثورية وللتعبير عن وقوفه مع الشعوب المقهورة ولانتقاد السياسات الاستعمارية.

في اليوم التالي على ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا، كان جون جونيه في عين المكان، ليكون شاهدا على فداحة الجريمة، حيث سيُدَون تفاصيلَها في نصه القوي “أربع ساعات في شاتيلا”. وعشية وفاته، سيُنهي جون جونيه كتابه الأخير “أسير عاشق”، الذي يقدم شهادة عن الثورة الفلسطينية وأيضا مذكراته عن تواجده مع الفلسطينيين بالأردن سنة 1970.

قبل 4 سنوات، كانت ليبيا ضيف شرف المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء. قبل أيام من بداية المعرض، تلقيتُ أكثر من مكالمة من وزارة الثقافة الليبية، بخصوص رغبة الوزير في إهداء درع الثورة إلى خوان غويتيصولو، كتحية من الثورة له نظير رفضه، قبل سنوات، لجائزة القذافي العالميّة للأدب، التي قَبِلها كُتاب عرب بدون تردد.

كان علي أن أستعمل أكثر من وسيط لإقناع غويتيصولو بالأمر. وكان شرطه جازما؛ أن يتم اللقاء حول كأس شاي مغربي، في غرفة صغيرة، بدون حضور وسائل الإعلام. لأنه يعتبر رفضَه للجائزة أمرا بديهيا، وهو الذي كرس جزءا من حياته في مقاومة دكتاتور آخر، اسمه فرانكو.

كاتب مغربي

17