الحلم والمتاهة

الخميس 2017/07/27

قال لي الصديق صمويل شمعون ونحن نتجول في أزقة مدينة أصيلة المغربية، إنه حين كان بصدد كتابة رواية “عراقي في باريس” لم يعتبر الأمر جديا، حتى عندما قطع أشواطا كبيرة، وحرر مئات الصفحات، تخيل الأمر مجرد ترويح عن النفس، وتخففا من ضغوط أحداث وانفعالات ومواقف أثقلت الخاطر.

وحين صدرت و أحضر معه عشرين نسخة إلى أصيلة، طلب منه الكتبـي أن يسلمه نسختين فقط، بيد أنه أصر على تسليمه النسخ العشرين، وعندما عاد إليه بعد يومين كانت النسخ قد بيعت عن آخرها، ظن صاحب المكتبة أن الكاتب يهودي ساحر، ولا يخلو كتابه من “تميمة” خارقة.

حكى لي صمويل هذه الحكاية لتوضيح وضع بات يفاجئه، يوما بعد يوم، بالنسبة لمشروع مجلة “بانيبال” التي حملت على عاتقها تقريب الأدب العربي الحديث والمعاصر إلى القراء عبر العالم، بترجمة أهم إنتاجات الشعراء والقصاصين و الروائيين العرب إلى الإنكليزية، واستطاعت أن تستقطب مع مرور السنوات نخبة لامعة من المترجمين والباحثين الغربيين من لغات وثقافات مختلفة.

كان الأمر شبيها مرة أخرى بمتاهة يعرفها مرتادها المدخل فقط، وكنت وأنا أنصت إليه أتخيل كل تلك المشاريع الكبرى في الثقافة العربية التي انطلقت من مجرد أحلام إلى مشاريع حولت الوعي بالأدب والفكر والثقافة، وكان يقف خلفها على الدوام أفراد.

وأحيانا دونما إدراك لطبيعة الدور الذي ينهضون به، من مجلة “الآداب” إلى “الكرمل” ومن “مواقف” إلى “فكر ونقد” ومن “الناقد” إلى “الجديد”… وبغير ما سعي إلى جني ثمار حسية، سوى الصداقات الواسعة، والفرح باتساع نطاق الإصغاء إلى اقتراحات وتعابير جديدة، وتوطين أسماء خارج مراتعها وتبيئة جماليات بعيدا عن أصولها ومنابتها.

في مقدمة العدد الأول من مجلة “بانيبال”، تحدثت مارغريت أوبانك رفيقة صمويل شمعون في الحلم والمتاهة، عن “تقاسم الإحساس بالفرح والإثارة المجردة التي تنتج عن قراءة شعر جميل وكتابة إبداعية جميلة”..

لم تتحدث كثيرا عن تعقيدات مشهد ثقافي عربي لم يتصالح مع روافده وامتداداته دوما، كانت متاهة العبور أهم من تشويش المنطلق، لهذا كان نَفَس الاستمرار مشبعا بحوافز التحقق المتأتية من الانفتاح والتثاقف حيث لا يتوقع قراء بعيدون عن العرب والعربية والعروبة، ممن سيقرأون غائب طعمة فرمان ومحمود درويش وغالب هلسا ونوري الجراح ولطيفة باقا بلسان إنكليزي فصيح، سوى الإطلالة على تخاييل إنسانية تشترك معها في الأعطاب والأحلام والدهشة.

وفي لحظة ما من لحظات التكريم الذي احتضنه موسم أصيلة لمجلة “بانيبال”، إذا بالجميع من أقصى اليابان إلى بريطانيا والولايات المتحدة يتحدثون بعربيتهم المكتسبة المحببة بلكنتها الطارئة، تاركين لغاتهم عند عتبات الطائرات، تحية للحلم وللمتاهة.

كاتب مغربي

15