الحلول الاقتصادية لا تكفي لانتشال الصحف المصرية من أزمتها المهنية

من المتوقع أن تقرر هيئة الصحافة تحويل بعض الإصدارات الحكومية الورقية إلى مواقع إلكترونية لتوفير تكاليف الطباعة.
الأربعاء 2019/07/24
صحف تكافح من أجل البقاء

القاهرة - هيمنت جملة من القرارات الاقتصادية على اللائحة التنفيذية لقانون الهيئة الوطنية للصحافة التي تتولى إشراف وإدارة المؤسسات الصحافية الحكومية في مصر، وحددت إجراءات عدة لإعادة هيكلتها بصورة شاملة، فيما غابت الحلول المرتبطة بتغليب العناصر المهنية لاستعادة جمهورها، لأنها الرئة الرئيسية التي تضمن البقاء.

وسّعت اللائحة التي نشرتها الجريدة الرسمية، الاثنين، من صلاحيات الهيئة، التي يصفها الدستور بأنها مستقلة ويعين أفرادها رئيس الجمهورية، في الإشراف على الصحف القومية، وألغت تقريبا مهام مجالس إدارات المؤسسات وجمعياتها العمومية، بما يشير إلى أن هناك قرارات صعبة في طريقها لأن ترى النور تتطلب حضورا قويا للهيئة لضمان تنفيذ رؤية الحكومة.

وجاء إصدار اللائحة الجديدة في وقت لم تشهد فيه الصحف تطورا على مستوى الأداء الاقتصادي أو التحريري، في ظل إدارة الهيئة لها بتشكيلها الحالي منذ عامين، ما يثير الشكوك حول قدرتها على إحداث تحول ملحوظ في الأداء، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات بإدخال تعديلات على تشكيلها الحالي تؤدي إلى تحريك المياه الراكدة وتدفع باتجاه البحث عن حلول جديدة بشأن أزماتها المتراكمة.

ويتوقع صحافيون في مؤسسات حكومية أن يكون الوضع الجديد للهيئة مقدمة لدمج بعض الإصدارات الصحافية، وإدخال بعض الشركات الاسثتمارية للتعامل مع أصول المؤسسات، وبالتالي الدخول على أولى خطوات الخصخصة، واحتمال إجراء هيكلة إدارية تؤدي إلى تقليص عدد العاملين الذي يصل إلى 22 ألف صحافي وعامل وإداري في ثماني مؤسسات تتبع الهيئة.

Thumbnail

غير أن محمد الهواري، عضو الهيئة الوطنية للصحافة، أكد في تصريحات لـ”العرب”، عدم طرح مسألة دمج الإصدارات حتى الآن، لكنه لم يقطع بعدم اللجوء إلي ذلك الإجراء في المستقبل، مستبعدا فكرة خصخصة أي من هذه المؤسسات في الوقت الراهن، وتحمّل خسائرها، لوجود قناعة بأن تلك الصحف تقوم بدور هام في دعم الدولة وتوجهاتها السياسية في ظل الحروب الإعلامية المختلفة التي تواجهها.

وتؤكد تقديرات الهيئة الوطنية أن ديون المؤسسات الصحافية القومية شهدت ارتفاعا خلال العامين الماضيين، وصلت إلى 20 مليار جنيه (مليار و100 مليون دولار تقريبا) مطلع العام الجاري، بعد أن كانت 13 مليار جنيه (700 مليون دولار) عام 2017.

وأضاف الهواري أن الهدف الأساسي من التوسع في دور الهيئة يرجع إلى ضبط مسألة ميزانيات الصحف، ووقف تعرضها للمزيد من الخسائر كي تتمكن من البقاء كمرحلة أولى، وذلك سيكون عبر مراجعة جميع قرارات رؤساء مجالس الإدارات المالية والإدارية، والتواجد بشكل أكبر في الجمعيات العمومية.

وسيكون على الهيئة التدخل بشكل أكبر لتصحيح المسارات الخاطئة، كما أن عملية استثمار الأصول تشرف عليها بشكل مباشر بالتنسيق مع ثلاث وزارات (الصناعة والاستثمار– المالية– قطاع الأعمال)، في محاولة لتوجيهها بشكل سليم لتخفيض الديون، وستترتب على ذلك إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات.

ومن المتوقع أن تقرر الهيئة تحويل بعض الإصدارات الحكومية الورقية إلى مواقع إلكترونية لتوفير تكاليف الطباعة، غير أن هذا الإجراء بحاجة إلى كفاءات تستطيع مجاراة تطور الصحافة الإلكترونية في وقت ما زالت تعاني فيه مواقع هذه الصحف من مشكلات تقنية أدت إلى وقفها منذ شهر تقريبا لأسباب ترتبط بمحاولات تأمينها ضد عمليات القرصنة.

وتعد المشكلة الأساسية في اللائحة أنها منحت جهة واحدة سلطات واسعة وشبه مطلقة، ما يضعف عملية التغيير، المرتبطة أحيانا بالنفوذ الواسع الذي يمكن أن يستخدم لصالح مسائل شخصية، والمرهونة بقدرة أعضاء الهيئة على تنفيذ كل تلك الاختصاصات.

ولا تتشابه السلطات الممنوحة للهيئة الوطنية مع أي من اللوائح المعتادة في عالم الصحافة، من ذلك مثلا وضع سلطات واسعة في قبضتها، مثل حق تعيين إقالة لرؤساء التحرير، وفرض الأجور ووضع آلية للمنازعات، واللائحة الجديدة تحت طائلة النقد بسبب عدم إتاحة الفرصة للعمل الصحافي الحر، لاسيما أن سلطات اللائحة غير مسبوقة حتى على المستوى المصري. وخلت من الإشارة إلى أي بنود ترتبط بمنح هذه الصحف حريات إضافية لتكون بمثابة صنارة الصيد للقراء الذين عزفوا عنها، ما يعني الاستمرار على النهج الحالي بعد أن قررت عدم الاشتباك مع هموم المواطنين، وتعاملت مع القرارات الحكومية باعتبارها بيانات ورؤى رسمية تقوم بنشرها فقط، من دون إثارة حوارات بشأنها، بل إن أغلبيتها تسير بنفس الشكل الذي كانت عليه منذ سنوات ماضية.

Thumbnail

تعد جودة الخبر والمقال المقدمين في الصحافة القومية أحد العيوب الأساسية، إذ تفتقد الجرائد والمجلات إلى أهم العوامل الأساسية للصحافة، وهي القدرة على إيصال المعلومة بدقة وسرعة وحيادية كافية، وأفقد ذلك الثقة بين القارئ الذي يعلم الصبغة الحكومية وراء الخبر والصحيفة التي تكافح من أجل البقاء في سوق الإعلام.

ويرى أسامة السعيد مدرس الصحافة في الجامعة البريطانية بالقاهرة، أن فكرة وضع ضوابط حاكمة لعمل الصحف القومية في مجملها مهمة مع المحنة التي تعيشها تلك الصحف وجعلت الحكومة أمام أزمة متعددة الجوانب.

ويقول لـ”العرب”، أن الخلاف هنا على طريقة الحل، هل هي سياسية أم اقتصادية؟ لأن إغفال الحكومة للجانب السياسي في اللائحة يضعف من فاعليتها، وإصلاح المنظومة الصحافية يحتاج إلى دفع المزيد من الحريات وإزالة بعض القيود على عمل الصحافي في اختيار الأخبار وصياغتها، فبدون حرية حقيقية يصبح الإصلاح بلا جدوى.

ويكمن الحل في تقدير السعيد في الدمج بين طريقة اقتصادية سياسية لإنعاش الصحف، لأن الصحافة الحكومية عاشت عقودا من الفشل وسوء الإدارة، وزيادة الديون بسبب الإفراط في تعيين العاملين، وإصدار مطبوعات ضعيفة وغير مجدية، وكلها نقاط تبدو موجودة في حسابات اللائحة الجديدة، وبرزت عبر المواد الخاصة بضبط عملية إصدار الصحف.

ومن إيجابيات اللائحة تعزيزها، في المادة السابعة، لفكرة الارتقاء بمستوى الصحافي من خلال عقد وتنظيم الدورات التدريبية لكافة العاملين، والاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال، وتنظيم برامج تبادل المعارف بين الهيئة ومثيلاتها في دول أخرى.

18