الحلول الجذرية بدل الترقيعية طريق أوحد لإرساء تعليم ناجع

الثلاثاء 2015/01/27

يمثل التعليم القطاع الأكثر حيوية الذي توليه الدول المتقدمة أهمية واسعة، محاولة منها للبقاء في سبيل التطوير ومواكبة تطورات العصر وحاجياته.

ولعل مثال حديث فيكتور هيغو، أحد أبرز فلاسفة التنوير وأهمهم عن التعليم ما بعد الثورة الفرنسية، دليل قاطع حول دور التعليم في تركيز طريق الشعوب إلى الحرية والكرامة والتطور الدائم. ورغم المحاولات الإصلاحية للتعليم في العالم العربي يبقى هذا القطاع متميزا بواقع مزر يحتاج إلى إعادة هيكلة كلية، ويبدو هذا جليا لو تأملنا بنظرة أولية قطاع التعليم في البلدان العربية. ويتميز الواقع العربي التعليمي بالاضطراب حتى بالنسبة إلى الدول الأكثر ثراء دون الحديث عن تلك التي ترزح تحت ظلال الفقر.

إن المناهج التعليمية في الدول العربية تتشابه من حيث التذبذب وغياب السياسة التعليمية الواضحة التي تناسب متطلبات الزمن الراهن والمستقبل بما يشهده العالم من تغييرات سريعة وعميقة مست مختلف أركانه.

ومن المفترض لإصلاح المنظومات التعليمية تشريك الجميع حتى المتعلم نفسه، هذا إضافة إلى التعويل على كفاءات خاصة وعالية تشتغل باستمرار على تحيين المنظومة التعليمية. إن مشكلة الدول العربية في تناولها للتعليم علاوة على كونها مشكلة سياسية، هي كذلك مشكلة ضيق الرؤية التي لا يشترك فيها الجميع في مسألة التعليم. ففي فنلندا، الرائدة في قطاع التعليم مثلا، قامت الحكومة بالاشتغال على قطاع التعليم مولية إياه كل الأهمية، ومشركة كافة الأطراف من أولياء ومتعلمين وأخصائيين ومفكرين وأدباء وحتى مهنيين، ما مكنها من الخلق في المجال البيداغوجي وقد نجحت في الترويج لمناهجها وبيعها في الأسواق الدولية.

إن التغير الذي طرأ على العالم يدعو كافة الأقطار العربية إلى إعادة النظر في السياسات التعليمية وفي البيداغوجيات المتبعة، حيث لم يعد الأمر يقتصر على التعليم التلقيني المرتكز أساسا على معرفة الأستاذ وعلويته على حساب المتعلم التلميذ، الذي نقتل فيه روح الإبداع ونصنع منه مجرد وعاء لتعبئة مجموعة من المعلومات هو في الحقيقة لا يتعامل بها في واقعه، بل هو فقط يرددها لأجل النجاح والمرور من سنة إلى أخرى، فالتعليم غرس للمعلومة لا تلقينها، هذا إضافة إلى غياب الوعي بأهمية الإحاطة النفسية والفكرية، وضرورة تليين المناهج لتتفق مع البيئة الاجتماعية والنفسية للمتعلم قبل أن تنفتح على ما هو أرحب.

نذكر من البيداغوجيات الناجحة في العالم بيداغوجيا فريني أو شتاينار، وبالأخص ماريا مونتيسوري، الطبيبة الإيطالية التي عاشت مطلع القرن العشرين، والتي أحدثت ثورة حقيقية في بيداغوجيات التعليم ومازال الباحثون يعتمدون على أبحاثها ويؤقلمونها مع متطلبات العصر، وتمتاز هذه البيداغوجيا بنجاعة كبرى تحت يافطة أن التعليم هو “ساعدني لأعمل بمفردي” ما يسمح للطفل بنحت شخصيته وتركيز بنيته النفسية الخاصة، والانتقال بسلاسة وبطريقة ممتعة من معلومة إلى أخرى عن طريق أدوات تعليمية مختلفة تسعى إلى تقوية الجانب الحسي والفكري والنفسي لدى المتعلم.

واستقدمت بعض الدول الغنية في الشرق الأوسط هذه النظرية التعليمية الحديثة وغيرها من النظريات، رغبة منها في إصلاح قطاع التعليم لديها، لكنها ظلت مجرد نظريات مستقدمة من الخارج لتطبيقها في أرضية أخلاقية واجتماعية وفكرية غير أرضها، هذا ما يجعل من نتائجها مفرغة، إذ لم يقع استعمالها وفق خصوصيات الشعوب التي استقدمتها، فتأصيل النظرية يحتاج إلى تفكيكها وجعلها مناسبة للبيئة العربية.

ثم إن غياب الحاضنة المادية للتمكن من الإصلاح الشامل والتحيين الدائم للنظم التربوية والتعليمية العربية بدل الحلول الترقيعية أو الوقتية المرتجلة، يمثل عائقا بالنسبة إلى جل الدول العربية.

وللتذكير فقط، فإن ماريا مونتيسوري بدأت مشروعها الكبير الذي استمر حتى بعد وفاتها وساهم في إنتاج عباقرة للعالم، في مصنع بأدوات بسيطة.

يعني أن العائق المادي ربما قد يعرقل قليلا، لكن يبقى الرهان الأول والدافع الأول فكريا وسياسيا بالأساس لضمان إصلاحات شاملة ومستمرة لقطاع التعليم في الوطن العربي.

17