الحلويات الشامية لاجئ لذيذ في أنحاء أوروبا

شهدت محلات الحلويات السورية في البلدان الأوروبية رواجا أكثر مما كانت عليه، حيث انتشرت هذه الصناعة بكثرة في الآونة الأخيرة في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، ويتزايد الإقبال عليها من قبل الأوروبيين والعرب المهاجرين واللاجئين السوريين والعراقيين، بدواع مختلفة كالاطلاع على ثقافة الشرق أو الحنين إلى آلة المطبخ والحلويات العربية.
السبت 2017/01/28
الحلويات الشامية تهاجر مع السوريين عبر العالم

برلين - البوظة والبقلاوة والبلورية والآسية وغيرها حلويات شامية تعود صناعتها إلى التاريخ القديم في سوريا، وتطورت بعد ذلك معتمدة على خبرات متوارثة في مجال صناعة الحلويات ومواد أولية غنية بالنكهة والخامة الطبيعيتين، وغير ذلك من المقومات التي ساهمت في إيصال علبة الحلويات الشامية إلى أسواق القارات الأخرى، وزادت من انتشارها في أوروبا موجة الهجرة التي خلفتها الحرب الدائرة في سوريا منذ سنوات.

في حي نوكولن في العاصمة الألمانية برلين، سمى أبوجواد، القادم من الغوطة الشرقية القريبة من دمشق، محل حلوياته باسم باب الحارة، ذلك المسلسل الذي شغل الملايين في البلاد العربية وفي المهجر أيضا.

ويقول أبوجواد، الذي ورث صناعة الحلويات عن عائلته التي تمتلك محلا لبيع الحلويات في العاصمة السورية منذ ما يزيد عن الأربعين سنة، إن سر نجاح حلوياته في ألمانيا يكمن في أنه لا يستخدم أي مواد صناعية في تحضير البوظة، حتّى الحليب يجلبه يوميا طازجا من المزرعة،”لا يدخل الحليب المبستر في تحضير البوظة”.

ويشرح أبوجواد طريقة صنع البوظة قائلا “يوضع الحليب والسحلب والمستكة، ويتم غلي هذه المكونات على حرارة 120 درجة حتى يتبخر كل الماء الموجود بها، ثم يوضع المزيج في مكنة البوظة، التي يجب أن تكون درجة حرارتها 45 درجة تحت الصفر، بعد ذلك تأتي مرحلة الدق.. كلما دُقت البوظة أكثر، ظهر المذاق المتميز للمستكة والسحلب”.

وتعتبر سوريا من أشهر بلدان الشرق الأوسط في مجال الحلويات، ويعود ذلك كما يقول أهل الصنعة، إلى نوعية المواد المستخدمة في صناعة هذه الحلويات، مثل الفستق الحلبي الذي يسمى ملك المكسرات.

ولقيت الحلويات السورية مثل عش البلبل والبقلاوة بجميع أشكالها والغريبة والبرازق، استحسانا ورواجا كبيرين لدى المستهلك الأجنبي، سواء في أوروبا أو الأميركتين.

البوظة مزيج من الحليب والسحلب والمستكة، يغلى على حرارة 120 درجة ثم يوضع المزيج في مكنة درجة حرارتها 45 تحت الصفر وكلما دقت البوظة أكثر، يكون المذاق أحلى

أبوجواد ليس وحده من بادر بافتتاح محل للحلويات السورية في ألمانيا، فعائلة السقا القادمة من حمص لاجئة عبر لبنان لم تحمل معها سوى الخبرة في صناعة الحلويات التي تعلمتها عن الوالد سليمان، البالغ عمره 83 عاما.

وعند وصولها إلى برلين فتحت عائلة السقا محلها الخاص بالحلويات والبقلاوة، تحت اسم “حلويات دمشق”.

ويقول تميم، أحد الإخوة الذين افتتحوا المحل ويبلغ من العمر 42 عاما، “رغم أنه من الصعب جدا العثور على وظيفة، إلا أننا قلنا قررنا الذهاب ومحاولة العمل في مجالنا”.

وإلى بلجيكا، لجأ عماد كركتلي القادم من الجزماتية أحد أحياء دمشق، والذي ترك سوريا سنة 2011 ليستقر في بروكسيل ويفتتح محلا صغيرا للحلويات في الميدان الكبير أحد أهم المعالم في العاصمة البلجيكية.

درس الكركتلي المأكولات السريعة في مدرسة للطهاة، لكنه اختار أن يعمل في مجال الحلويات الشامية التي يقبل عليها العرب والأوروبيون على حد السواء.

ويقول “هذه الحلويات هي من وسط دمشق، بالرغم من كل الظروف أردت أنا وشريكي أن نبقي على أصالة ما نعرضه من بلدنا، وسميت المحل حلويات نور سوريا، لكنني بشكل جدي وبأسف شديد صرت أفكر بتغيير الاسم بعد الاعتداءات الإرهابية في أوروبا وفقدان الزبائن ومرورهم من أمام المحل من دون الدخول إليه”.

ويتهكم الكركتلي على أحداث الحرب في بلاده قائلا، “أنا بصراحة أفكر بصنع حلويات جديدة بهيئة جنود ومدرعات ودبابات وطائرات، يبدو أنّ هذا هو واقع السوق هذه الأيام، وعلينا أن نواكب العصر”.

واشتهر السوريون بمأكولاتهم وحلوياتهم التي تأسر كل من يتذوقها واستطاعوا أن يخلقوا أسواقا في بلدان اللجوء لإنتاجهم الذي لم يعد مقتصرا على زبائنه العرب في أوروبا، وإنما صار له محبوه وراغبون فيه من الأجانب الذين أُغرموا بسحر الشرق وموائده العامرة بأشهى المأكولات والحلويات.

وفي مدينة “تولوز” الفرنسية تم افتتاح محل “دامسكي” وهي سلسلة متخصصة ببيع الحلويات السورية التي يتم تصنيعها وتعبئتها وتغليفها في دمشق، لتشحن إلى فرنسا بكامل جدّتها ونكهتها الأصيلة قبل الحرب.

حلويات تأسر كل من يتذوقها

محل “دامسكي” سوري العمال والمنتجات، يعمل به لاجئون مختصون في صناعة الحلويات التي لا يعرف سر صناعتها الحقيقية إلا السوريون، لذلك يشهد هذا المحل ومحلات أخرى في مختلف المدن الفرنسية إقبالا كبيرا نظرا إلى وجود جالية سورية بنسبة كبيرة والجالية العربية التي تعشق هذه الحلويات، إضافة إلى إقبال الفرنسيين عليها بشكل كبير.

ولا يخفي أصحاب المحل رغبتهم في افتتاح فروع لـ”دامسكي” في مدن فرنسية أخرى، وحتى في دول أُخرى، معتمدين على اليد العاملة السوريّة المقيمة في هذه المدن والدول.

تاريخ وعراقة

تؤكد المكتشفات الأثرية والنقوش الكتابية أن سوريا عرفت خلال الألف الثاني قبل الميلاد ازدهارا ملحوظا في صنع الحلويات والكعك والبسكويت والخبز المحلى بعسل النحل، بدليل العثور في موقع تل الحريري الأثري مملكة ماري في إحدى غرف القصر الملكي بالقرب من مطابخ بيت الملك على أكثر من خمسين قالبا من الفخار ذات شكل دائري ومستطيل وعلى شكل سمكة استخدمت في صنع حلويات المآدب الملكية الكبرى، وتؤرخ بحوالي 1800 ق.م وهي محفوظة في المتاحف السورية.

وتتحدث النصوص المسمارية المكتشفة في موقع رأس الشمرة الأثري في مملكة أوغاريت والمؤرخة بعصر البرونز الوسيط، عن أن سكان مملكة أوغاريت صنعوا أنواعا من الكيك محشوة بالتمر وزبيب العنب وحلويات أخرى مصنوعة من التين المجفف، وكانوا يستخدمون الخمر أو البيرة في عملية تخمير العجينة.

ومن قوالب صنع الحلوى المكتشفة في ماري، اقتبست قوالب صناعة الحلوى السورية المستخدمة حاليا والتي تطورت منذ القرن التاسع عشر في عهد الدولة العثمانية عندما كان آغاوات الشام يتفنون في تقديم الحلويات ويغدقونها على شرف هذا الوالي او ذاك الحكمدار.

وفاق عدد أنواع الحلويات اليوم أكثر من 300 نوع، كما يؤكد أهل هذه الصناعة، لافتين إلى أن هناك أنواعا لا تنتج إلا حسب المناسبات أو الفصول، كما أصبحت تصنع وفق مقتضيات العصر، حيث يستطيع المصابون ببعض الأمراض تناولها كما هو الحال بالنسبة إلى الحلويات الخالية من السكر، كما أصبحت هناك صناعة مرتبطة بهذه الحرفة هي صناعة علب من الموزاييك أو من النحاس المطعم بمعادن أخرى أو من الخشب المحرق لتعبئة هذه الحلويات.

ووصل صيت الحلويات الشامية مثل البقلاوة والبلورية والآسية والبرازق وحلويات البابا وعش البلبل والفيصلية ومفروكة جوز الهند وعيش السرايا وطبطاب الجنة وغريبة بالتمر والفستق وزنود الست وورد الشام وغيرها، إلى أسواق كندا وألمانيا وفرنسا والبرازيل وإيطاليا وإسبانيا وروسيا والعراق ودول الخليج العربي، ودخلت السوق الأميركي من خلال معرض فانسي فود الذي يقام في شهر يونيو في مدينة نيويورك من كل عام.

ثقافة وحنين

يقبل الأوروبيون على الحلويات الشامية من باب الاطلاع على ثقافة الشرق وسحرها، فبيتر وآنا ماريا لا يخفيان إعجابهما بالمذاق المميز للبوظة مع المكسرات.

ملك المكسرات يحلي أفواه الأوروبيين

وتقول الشابة الفرنسية ماري “تذوقت الحلويات العربية في تونس والمغرب بحكم ترددي عليهما في عطلات الصيف، لكن للحلويات السورية طعم آخر رغم حلاوتها الزائدة بالنسبة إلي، إلى أن اكتشفت محلا شرقيا يقدم حلويات بسكر قليل يقال عنها إنها مخصصة للفرنسيين الذين لا يحبون الحلو الزائد”.

ويقول أبوجواد إن زبائنه ينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ وهم الأوروبيون والعرب والآسيويون، مشيرا إلى أن الأوروبيين يفضلون الحلو الخفيف الذي يكثر فيه الفستق مثل الكنافة والبوظة والتمرية، أما الآسيويون فيستطيبون الحلويات العربية حتى إذا كانت حلاوتها زائدة كالبلورية والبقلاوة، والعرب يحبون كل الأصناف، يشدهم إلى ذلك حنينهم إلى حلويات عيد الفطر وأجواء رمضان.

وفي محلات الحلويات الشامية في المدن الأوروبية، يحاول أصحابها إضافة أجواء ألف ليلة وليلة مع الموسيقى الشرقية التي تأسر الأوروبيين فيشعرون وكأنهم في زمن الملوك والسلاطين، وتجلب المغتربين الذين يحنون إلى ماضيهم.

سامر ومروان سوريان لاجئان في فرنسا تعود بهما البوظة إلى حرارة الصيف الدمشقي وسحر السهر وخاصة في رمضان، لقد استبد بهما الشوق والحنين، لذلك يدخلان هذه المحلات كلما صادفتهما في طريقهما، مؤكدين أن دمشق ليست “بوظة بكداش” و”عصير أبوشاكر” و”فول بوز الجدي” فقــط، بل هي أكثر من ذلك بكثير، إنها تكثيف لتــراث يعود إلى الآلاف من السنين ويأبى أن ينقرض.

لم يكن أبونضال يتوقع، وهو لاجئ سوري وصل وعائلته إلى برلين منذ بضعة شهور، أن يجد البوظة الشامية في برلين، يقول “هذه الأماكن هي همزات الوصل الممكنة مع الأوطان، فيها نشم رائحة الشام وحواريها”.

أحمد كنيزة مهاجر تونسي في باريس يدخل إلى أحد محلات الحلويات السورية الذي انتبه اليه مؤخرا بعد الأزمة السورية، يسأل بالفرنسية أحد الباعة الذي تبدو عليه ملامح عربية عن أسماء الحلويات الشامية العديدة، فيجيبه الشاب بفرنسية لم يتقنها بعد بشكل جيد. يختار أحمد واحدة من الحلويات بشكل عشوائي إذ لا يعرف منها غير البقلاوة، قائلا للبائع الشاب “أعطني لأتذوق الحضارة السورية التي أرادوا لها الدمار”.

20