الحلويات الشامية نجمة السهرات الرمضانية في الأردن

اشتهر السوريون بمأكولاتهم وحلوياتهم التي تأسر كل من يتذوقها واستطاعوا بذلك أن يخلقوا أسواقا في بلدان اللجوء صار لها محبوها وراغبون فيها من العرب والأجانب الذين أغرموا بسحر الشرق وموائده العامرة بأشهى المأكولات والحلويات.
الاثنين 2017/06/05
أنواع متعددة ومذاقات مختلفة

عمان - خلال السهرات الرمضانية تزيّن العائلات الأردنية موائدها بحلويات لذيذة لا تتعب معها في جلب أنواع شهية ومتنوعة. ويحرص أصحاب المحلات على تزيين واجهات محلاتهم بعناوين وأسماء تدل على أن أصل الحلويات يعود إلى الشام، وترمز أغلب أسماء تلك المحلات إلى الشام مثل “المذاق الشامي”، “حلويات الدمشقي”، “بصرى الشام” و”بلاد الشام”.

وتشتهر الحلويات الشامية بطعمها اللذيذ وبغناها بأنواع من المكسرات مثل الفستق الحلبي والكاجو واللوز والجوز والصنوبر، فيما يدخل السمن البلدي الأصلي في صناعة أنواع أخرى فاخرة منها. ولهذه الحلويات أنواع وأشكال منها “المبرومة والشرحات والبقلاوة والبلورية وكول وشكور والوربات بالفستق الحلبي والقشطة وزنود الست وإسوارة الست والأصابع” وغيرها الكثير، وهي كلها تسميات سورية محلية.

ووصل صيت الحلويات الشامية مثل البقلاوة والبلورية والآسية والبرازق وحلويات البابا وعش البلبل والفيصلية ومفروكة جوز الهند وعيش السرايا وطبطاب الجنة وغريبة بالتمر والفستق وزنود الست وورد الشام وغيرها إلى الأسواق العربية والأوروبية.

ويقول الأردني الجنسية السوري الأصل عماد البقاعي صاحب محل حلويات “بلاد الشام” إن مهنة صناعة الحلويات مهنة دمشقية قديمة موروثة أبا عن جد، مضيفا “تعلمت المهنة من أبي الذي تعلمها من جدي في دمشق. أغلب أصحاب محلات الحلويات الشرقية في الأردن هم سوريو الأصل وحتى إذا كان صاحب المحل أردنيا فسوف تجد أن من يصنع الحلويات هو في الأصل سوري، فأنا أرى أن المنافسة في هذا المجال منافسة سورية سورية”.

منافسة سورية سورية في الأردن

ويقول فهادي ياسر إن من بين الأسباب التي كانت تدفعه للسفر إلى سوريا قبل الأحداث الاستمتاع بنكهة المأكولات والحلويات الشامية التي “لا يمكن نسيان طعمها”. ويضيف أنه فرح الآن لأنها أصبحت متوفرة في عمّان.

وتزدهر محلات الحلويات الشامية المنتشرة في محافظات عمان والزرقاء وإربد خلال شهر رمضان وأيام عيد الفطر خاصة. ويُقدر معدل ما ينفقه الأردنيون على شراء الحلويات خلال شهر رمضان وعيد الفطر ما بين 8 و10 ملايين دينار أردني. ويحقق الأسبوع الأول والأخير من شهر الصيام

ربحا وفيرا لأصحاب محلات الحلويات، إذ يحبذ المواطنون استهلال شهر رمضان الكريم واختتامه بصنع كميات كبيرة من الحلويات.

الحلويات الشامية في الأردن جزء لا يتجزأ من حياة الأردنيين لا بل هي أحد معالم الإرث السوري المتوارث وحالها لا يختلف عن حال المأكولات الشامية الأخرى، فلا يوجد من زار الشام ولم يتذوق من حلوياتها ولم يتحدث عنها بإطناب.

ويقول أحمد رواشدة “الحلويات الشامية توجد في كل البيوت الاردنية وهي موجودة منذ القدم بحكم التثاقف بين الجيران".

كلنا زرنا المدن السورية وتذوقنا حلوياتها، فظل طعمها في أفواههم دائما”.

وتقول هيام موظفة من عمان إن الحلويات لا تغيب عن مائدة رمضان خلال ثلاثين يوما، فنحن لا نشعر بطعمها إلا في شهر الصيام، فالكنافة والبقلاوة والعوامة هي من الأطباق المفضلة لأسرتي ومن المستحيل أن يمر يوم ولا نأكل نوعا أو أكثر من تلك الحلويات اللذيذة.

وتضيف “منذ أن انتشرت المحلات الشامية في عمان كثرت الخيارات وصرنا نشتري الحلويات الشامية ونتذوق أنواها اللذيذة والكثيرة”.

ويقول أبوفادي “أحاول قبل أذان المغرب بساعتين شراء الحلويات الرمضانية من المحل السوري الذي يقع بجانب مسكني. أحاول قدر الإمكان شراء صنف أو صنفين من الحلويات قبل الزحمة، حيث يتهافت الصائمون على شرائها قبيل أن يحين موعد الأذان، حيث لا يمكن الحصول على البعض منها مع اقتراب موعد الإفطار لكثرة الإقبال عليها ولما تضفيه من طعم لذيذ وشكل جميل على المائدة”.

وتقول أم شادي، ربة بيت، إنها تعلمت صناعة بعض الحلويات الشامية مثل الكنافة والبسبوسة لكنها ليست بالمذاق الذي نجده في كافة المحلات السورية، يبدو أن لهم سرا خاصا في صناعتها، إضافة إلى أن هناك أنواعا كثيرة من الحلويات الشامية التي لا نعرفها مثل “أصابع الست” و”المحلاية” و”البرازق” و”القطايف” و”بلح الشام”، لذلك نحاول أن نتذوقها في كل مرة لأن أطفالي يحبون مثل هذه الحلويات وأنا أريد أن أكافئهم خاصة وأنهم يحاولون الصيام وهم صغار، كما أني أريد أن أقدمها لضيوفي في السهرات الرمضانية.

مذاق بطعم الحنين

تطور لافت

حول أهم أنواع الحلويات الشامية يقول المختصون إنه منذ ستينات القرن الماضي وحتى الآن تشهد صناعة الحلويات الشامية تطورا كبيرا.

وقد صارت أصناف البقلاوة تتعدى الثمانية أصناف حيث أضيف إليها ما يسمّى “الكول وشكور” (كل واشكر) المختلف عن البقلاوة شكلا وطعما، لأن عملية تكثيف الفستق داخله تتم مع السمن وليس مع السكر. والآسية التي تشبه البقلاوة لكن حبتها أصغر ونسبة الفستق فيها أعلى، بمعنى أنها مدعومة أكثر وهناك أيضا الأصابع التي تصنع بالكاجو أو الصنوبر الناعم.

وتطورت صناعة المبرومة فاشتقت منها أصناف فاخرة كالبلورية وعش البلبل بالفستق، وهي من الأصناف التي تلقى رواجا كبيرا لانخفاض نسبة الدسم فيها وحلاوته القليلة.

وخضعت الحلويات الشامية خلال السنوات الماضية إلى تعديلات وتحسينات لإرضاء رغبات عشاقها وشد انتباههم إلى أصناف لا يعرفونها، فالبلورية مثلا كانت منذ فترات قريبة تصنع بالفستق فقط أما الآن فأضحت تصنع بالكاجو والبندق واللوز وغيرها من المكسرات.

كما أن الأنواع المصنوعة لم تعد تقتصر على التمر والفستق فقط بل أصبح بعضها يغلف بالسمسم وتضاف إليه الفواكه كالنارنج والبرتقال والفراولة والتفاح.

وتعود صناعة الحلويات في سوريا إلى بداية القرن الماضي أيام الحكم العثماني عندما كان الدمشقيون يتفنّنون في صنع الحلويات التي يخطبون بها ود هذا الوالي أو ذاك الحاكمدار.

حلويات الحنين

من بين المحلات والعلامات السورية الشهيرة التي فتحت في عمان بوظة “بكداش الشامية”، ويقول يعرب موسى، مدير المحل في حوار مع “دويتشه فيلة”، إن اسم بكداش الشهير في سوق الحميدية بدمشق معروف بشكل جيد عند معظم الأردنيين ولذلك ومنذ اليوم الأول لفتح الفرع في عمّان والمحل يشهد إقبالا كبيرا ليس فقط من قبل الأردنيين، وإنما أيضا من قبل السوريين المتواجدين بأعداد كبيرة في الأردن “هذا بالإضافة إلى السياح العرب وبخاصة الخليجيين المتواجدين بكثرة أيضا في عمّان لغرض السياحة”.

وقال محمد النجار، وهو لاجئ سوري، “لم نتخيل يوما أن ينتقل بكداش للعمل في الأردن، ومن الجميل تذوق هذه البوظة في عمان مما يشعرك بأنك تجلس في بلدك”.

غير أن المحل يشكل فرحة مختلطة بالحزن للاجئين السوريين، إذ أنه يذكرهم بدمشق القديمة وحاراتها وشوارعها.

خلطة سورية سرية

البوظة تطفئ العطش

يصعب على زائر المحل إيجاد طاولة يجلس عليها لتناول طلبه من البوظة جراء اكتظاظ المحل على الدوام، مما يجبر الكثير على حمل البوظة لتناولها في السيارة أو في الشارع. ومحل بكداش بالنسبة إلى السوريين أكثر من مكان لبيع البوظة، لأنه يعتبر من أول المحال العربية في هذا المجال، حيث يملك تاريخا يزيد عن 115 عاما، إلا أن الأزمة السورية أجبرت المحل على نقل أعماله إلى عمان.

وعلى بُعد أمتار قليلة تسمع شبابا من السوريين المبتسمين وهم يدعون المارة باللهجة السورية إلى دخول محل للحلويات للاستمتاع بمذاق البقلاوة والحلويات الشامية.

ويرتدي هؤلاء الشباب الزي الدمشقي (قميص تعلوه صدرية مع وشاح يوضع على الرأس) ويحملون في أيديهم دلال (أباريق) القهوة العربية وآنية تحوي حلويات لإغراء المتسوقين ودفعهم لدخول المحل وشراء الحلويات.

وقال عامل في المحل يدعى أبوالعز

وهو لاجئ سوري “كنت أعمل في دمشق في المجال نفسه.. كنت أعمل على استقبال الزبائن وتقديم شرح لمختلف الأصناف ومكوناتها”.

وتابع أن “المحل حقق انتشارا واسعا في الأردن بعد أن ذاع صيته، وبات من بين المحال الأولى في المملكة بفضل أجوائه الدمشقية وطعم منتجاته اللذيذ”. ويقول موسى إنه مع انتشار المحلات الشامية والعلامات التجارية الدمشقية في العاصمة الأردنية أصبح زائر عمان يشعر وكأنه في العاصمة السورية أو في أجوائها الشامية الجميلة.

ويقول زهير محمد، مشرف على مقر حلويات نفيسة الشامية في عمان، تأسست “نفيسة الشامية” قبل عدة سنوات في الأردن، وأهم ما يميّزها هو حفاظ العمالة فيها على الأساليب الكلاسيكية المُتبعة في صنع الحلويات الشامية.

ويضيف أن “المحل تميز في العاصمة الأردنية وحقق النجاح المطلوب والمنافسة في السوق لأن الزبون الأردني يعلم جيدا جودة أصناف الحلويات الشامية”.

ويشير إلى أن زبائن المحل هم من السوريين والأردنيين على حد سواء إضافة إلى السياح العرب والأجانب، ويؤكد أن الكثير من الأردنيين يأتون إلى المحل للتعرف على أصناف الحلويات التي تشتهر فقط في دمشق والتي أصبحت اليوم متوفرة في عمّان.

أبوالعز، اللاجئ السوري كان يعمل ضمن محل كبير للحلويات في سوريا، وبسبب الملاحقة الأمنية وبعد أن هرب إلى الأردن عمل في الأشهر الأولى بمحل للحلويات ثم قرر فتح محل خاص به، فاستأجر محلا صغيرا ثم بدأ يتطور شيئا فشيئا وبدأت حلوياته تلقى رواجا وصار المحل يحظى بسمعة جيدة.

أما أبومحمد الذي أتى إلى الأردن منذ 65 عاما من درعا فلا يعلم في الحياة سوى صنع الحلويات الشامية، فافتتح في عمان بمنطقة صويلح محل “قاسيون الشام” نسبة إلى جبل قاسيون الذي مازال حيا في قلبه ويأمل في أن تستقر البلاد ليزوره من جديد.

ويقول أبومحمد “أعمل في هذه المهنة منذ صغري والآن يشاركني أبنائي وأحفادي وهناك إقبال كبير من أهل المنطقة على الشراء، كون الأسعار غير مرتفعة مقارنة بالمحلات الأخرى والأصناف الشامية جميعها متوفرة”.

أم يوسف، سورية قدمت إلى عمان منذ بداية عام 2013 صحبة أطفالها الثلاثة وزوجها الذي يعمل في مجال الدهن، تلجأ إلى محلات الحلويات الشامية وبوظة بكداش في محاولة لاسترجاع الأيام التي قضتها برفقة عائلتها في دمشق والأجواء الحميمة التي عاشتها في سوق الحميدية.

وتحوي محافظات إربد (شمالا) والزرقاء (شرقا) إلى جانب عمان العشرات من المحلات المختلفة التي انتقلت من سوريا للعمل في الأردن. والأردن من أكثر الدول تأثرا بالأزمة السورية منذ اندلاعها واستقبالا للاجئين بسبب طول الحدود بين البلدين.

20