الحل السياسي المفترى عليه

الأربعاء 2013/10/02

دأبَ السيد حسن نصر الله أمين عام حزبه «حزب الله»، على إشهار تحبيذه لـ»الحل السياسي في سوريا» في مختلف «إطلالاته» ومنها «الإطلالة» الأخيرة يوم 23 سبتمبر- أيلول الجاري، وبنبرة حارة تكاد لا تختلف عن نبرة بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة، أو الأخضر الإبراهيمي مبعوث المنظمة الدولية إلى سوريا، حين يتطرق أحد الرجلين للوضع السوري.

على أن السيد نصر الله لا يتطرق إلى حيثيات حلّه السياسي، كالقول بوثيقة جنيف الأولى، تاركاً تفاصيل الحل العتيد لأصحاب الشأن، ومطمئنا إلى أن العمومية والتعميم لا تلزم صاحبها بأي التزام من أي نوع، بينما تسمح بإبراء الذمة. نبرة الحياد «الإيجابي» المفعمة بالغيرة لم تفارق الخطاب الأخير للسيد نصر الله خلافاً لخطابات سابقة تحدث فيها عن حماية ظهر المقاومة، وحماية مقام السيدة زينب، ومساعدة أهلنا في القرى الحدودية. واقع الحال إن نبرة الحياد أخذت تتضح أكثر فأكثر مع الإعلان عن انغماس حزبه في المعارك إلى جانب الجيش السوري ضد «التكفيريين»، من أجل انتزاع بلدة القصير على الحدود السورية اللبنانية. وقد وضع الحزب كل ثقله لأسابيع في محاصرة البلدة وقصفها بمختلف أنواع الأسلحة إلى أن انسحب الثوار منها.

لجنة التحقيق الدولية كشفت في تقرير بتاريخ 21 آب- اغسطس أن قوات حزب حسن نصر الله، اقترفت جرائم حرب في البلدة، منها قصف البيوت على ساكنيها وقطع المياه ومنع إسعاف الجرحى. ويفترض أن التقرير قد تم عرضه على المجلس الأعلى لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

مع بداية النصف الثاني من العام الماضي 2012 تحدثت تقارير متواترة لقوى المعارضة والثورة السورية عن مشاركة نشطة لـ «حزب الله» في عمليات الجيش السوري، سواء تلك التي تستهدف مدنيين، أو تتجه نحو مواقع المعارضة والثوار السوريين.

مع ذلك يطيب للسيد نصر الله أن يتغنى بحل سياسي، فيما يترك لقواته أن تستبيح بلداً آخر وتستبيح معه دماء الشعب السوري، وفي خطاب سابق له بعد تفجير الضاحية الجنوبية في بيروت أعلن أنه سيضاعف عدد قواته على الأرض السورية. وهو قرار يتم من وراء ظهر الشعب اللبناني والدولة اللبنانية، وبالطبع من وراء ظهر الشعب السوري.

وكانت الرئاسة اللبنانية قد طلبت رسمياً من الحزب «اللبناني» عدم الانغماس المسلح في الأزمة السورية، لكن السيد نصر الله تجاهل هذا الطلب وقفز عنه، وكأن الطلب يأتي من رئيس دولة لا ينتمي إليها هذا الحزب.

منذ بداية الأزمة السورية، يوم 15 آذار مارس 2011 لم يعترف السيد نصر الله بانتفاضة السوريين أسوة بغيرهم من العرب المنتفضين.

والتزم حرفيا بالرؤية السياسية للنظام في دمشق. وحين أوغل النظام في سفك دماء شعبه، وفي القمع الدموي لانتفاضته السلمية، لم يجد السيد نصر الله ما يحمل مثلاً على نصح «الإخوة السوريين» بالتوقف عن هذا الإجرام، خلافاً لدول عربية، وخلافاً لتركيا التي أوفدت وزير خارجيتها داوود أوغلو غير مرة إلى دمشق، والتي كانت علاقاتها ما زالت قوية مع النظام في دمشق، داعية إل تبني حل سياسي، وإحداث صدمة إيجابية.

لم يكن حزب السيد نصر الله في يوم من الأيام نصيرا لحل سياسي في سوريا يوقف سفك الدماء واستنزاف الثروات، ويعترف للسوريين بحق تقرير مصيرهم الوطني، بل كان نصيرا لكل ما يرتأيه النظام وينقذه من عقوبات جماعية عمياء، والتزم بترديد خطاب دمشق الرسمي بصورة حرفية، ومنذ بداية الأزمة أدار هذا الحزب وظل يدير ظهره بصورة كلية للشعب السوري رغم ما عاناه هذا الشعب من مجازر وأهوال على يد نظامه.

وأخذ هذا الحزب على نفسه مهمة شيطنة الثورة والمعارضة السورية، ورأى في تصوير الثورة على أنها نشاط لجماعات تكفيرية، فرصة سانحة للإيحاء للغرب بأنه يقاتل أعداء هذا الغرب، كما وجد في ذلك فرصة لمخاطبة ذات منحى طائفي لجمهوره، كحال خطاب حماية مقام السيدة زينب وهو المقام الذي لم يمسه أحد بسوء، ولا تعرّض أحد للمقام بخطاب مسيء ذات يوم، ومع ذلك فقد تجند حزب السيد حسن نصر الله مع لواء أبي الفضل العباس العراقي، لحماية مزعومة للمقام، تغطّي على تعضيده النظام في حربه على شعبه.

أما بلدة القصير فهي باختصار بلدة سورية لا «شيعية ولا سنيّة»، ولم يسبق أن شهدت نزاعا أهلياً طائفياً إلا في منظور السيد نصر الله، الذي يعتبر أن إدامة تمتع حزبه بالتسلح من إيران عبر الأراضي السورية كي يبقى متصدراً المعادلة الداخلية اللبنانية، هو هدف يعلو على حقوق الشعب السوري في الحرية والكرامة، ويستحق هذا الهدف الخوض في دماء السوريين، وزج مقاتلي حزب الله في شأن داخلي خاص بشعب عربي آخر.

وهكذا بينما تواصل قوات السيد نصرالله مهمة الفتك بمن نجا من السوريين، وتهديم ما لم يتهدم من عمران السوريين في حمص وسواها، فإن زعيم هذا الحزب لا يجد حرجا في الحديث عن إيمانه بحل سياسي، وهو حل تم إقصاؤه على يد النظام منذ الساعات الأولى للانتفاضة السورية قبل أكثر من ثلاثين شهرا، حيث لم يتوقف النظام ساعة واحدة عن إطلاق النار على شعبه، وقبل أن ينشق من انشق عن الجيش، وقبل ظهور الجماعات الأصولية المتشددة بعام كامل على الأقل.

إن حديث السيد نصر الله عن إيمان مزعوم بحل سياسي، لا يجد له نظيرا إلا في الادعاءات الإيرانية عن تحقيق مطالب الشعب السوري، بينما تتكفل طهران بتمويل آلة الحرب، وبالتدريب على حرب الشوارع وتنسيق الخطط لإدامة الحرب، وبالمزاعم الروسية عن الشغف بانعقاد جنيف2، فيما يعلم القاصي والداني أن المدن السورية تهدّمت بأسلحة روسية (طائرات ميغ وسوخوي وصواريخ غراد)، وأنه لا قيد روسياً على استخدام الأسلحة الروسية الثقيلة ضد الشعب.

في إطلالته الأخيرة وفي معرض نفيه لاستلام حزبه أسلحة كيماوية من سوريا، ذكر السيد نصر الله أن اعتبارات دينية تمنع حيازة الأسلحة الكيماوية واستخدامها، وما قاله صحيح، ولا يقل عنه صحة أن استخدام الأسلحة من الثقيلة إلى السلاح الأبيض ضد المدنيين وضد المنشآت المدنية هو بدوره مُحرّم وغير جائز شرعا، ومثله مناصرة الظلم والظالمين والزعم خلال ذلك بالإيمان بحل سياسي على وقع البراميل المتفجرة التي تُلقى على بيوت الآمنين.


كاتب وإعلامي أردني

8