الحل الشامل أو جحيم "الخلافة"

السبت 2014/08/09

على امتداد عمر الثورة السورية، اعتدنا سماع التحذيرات من قبل أميركا وأوروبا، وحتى بعض الدول العربية، حول إمكانية تمدد الصراع في سوريا ليجتاح دول الجوار “المستقرة”، ويتحول إلى صراع إقليمي يصعب إخماده. لكنها كانت تحذيرات خجولة، وغالبا ما أتت من باب العجز التام عن الفعل وما يقابله من إنكباب، تام أيضا، على إطلاق التحذيرات اللفظية وإبداء القلق.

وها هي حمم البركان السوري المرعب تجتاح دول الجوار. ويبدو انتقال الصراع إلى لبنان، كل لبنان، وشيكا على الرغم من التفاهمات الأخيرة التي كبحت تطور الصراع في عرسال.

إذ أن تورط حزب الله العنيد والمتزايد في الحرب على الشعب السوري، وفي استهداف البيئات الحاضنة للنازحين السوريين في لبنان يجعل البلد الهش والغني بالعناصر الانفجارية على حافة الهاوية.

ويعتبر البعض الرأي السابق بمثابة تفاؤل مفرط وهو يحلل اقتراب لبنان من الانفجار، فوفقا لرأي آخر، أكثر تشاؤما، فإن لبنان دخل فعلا مرحلة جديدة من الحرب الأهلية على خلفية الحرب في سوريا، ولا تنتظر هذه الحرب إلا الوقت لكي تنضج تماماً، وتصبح حربا شاملة ومدمرة.

هذا هو حال العراق اليوم، فالحرب الأهلية تتوسع بصورة سريعة جدا، ويكتمل الخراب في العراق مع تمدد تنظيم “الدولة الإسلامية” وتحوله إلى لاعب بارز، وربما الأبرز، ضمن التشكيلات العسكرية التي تقاتل قوات رئيس الوزراء العراقي، الطائفي والممسك بالسلطة، نوري المالكي.

الدول الغربية تشاهد اليوم عن كثب انتقال الصراع من سوريا إلى دول الجوار. ترصد ذلك الانتقال في أسوء صوره وأشد السيناريوهات سوداوية. حيث تتسيد “الدول الإسلامية” المشهد، فتقضم المزيد من الأراضي يوماً بعد آخر، وتخوض معارك متعددة ومتزامنة وكأنها بطل خارق من قصة خيالية.

“الدولة الإسلامية” لم تكتف بشنّ حرب واسعة وفي عدة نقاط على قوات نوري المالكي، بل شنت هجمات على قوات النظام السوري بعد فترة هدنة غير معلنة وطويلة بين الجانبين، فاحتلت الفرقة 17 على أطراف مدينة الرقة، وهي القاعدة العسكرية الضخمة التي كانت عصيّة على الجيش الحر لنحو عام ونصف، وواصلت تقدمها لتحتل اللواء 93 قبل يومين.

كما هاجمت بالتزامن مع كل ذلك مناطق الأكراد في سوريا (الحسكة والقامشلي)، وفي العراق، احتلت العديد من القرى والبلدات في الأيام الماضية وباتت على مشارف أربيل.

هنا، عادت موجة التحذيرات الغربية من جديد، وبدا الغرب كمن يحاول الانفكاك من تعهدات أطلقها سرا على نفسه بعدم التدخل المباشر في منطقتنا مهما اشتد الصراع. فرغبته الجامحة في حصر الصراع في سوريا باءت بالفشل (وشاركه تلك الرغبة حزب الله عندما دعا أمينه العام حسن نصر الله السوريين بوقاحة استثنائية لقتاله في سوريا لا في لبنان).

لذا بدأ الحديث عن تزويد المقاتلين الأكراد بسلاح أميركي متطور لصد تقدم “الدولة الإسلامية”. هذا فضلا عن زيادة الضغوط على نوري المالكي من أجل التنحي، فالغرب يعلم، جيدا، أن حلا عسكريا ضد داعش هو غير ممكن اليوم، من دون التوصل إلى حل سياسي شامل يؤدي إلى إصلاحات دستورية جذرية في العراق.

السوريون الذين خاضوا، ولا يزالون يخوضون، حربا ضروسا في مناطق عديدة ضد “الدولة الإسلامية”، يراقبون أيضا تقدمها الواثق والسريع في العراق، ولا يسعهم سوى السخرية من التحذيرات الغربية بامتداد الصراع إلى دول الجوار. هم على يقين تام بأن الإبادة الجماعية والتدمير المجنون الذي ألحقه النظام وحلفاؤه الطائفيون في سوريا، والصمت أو المباركة غير المعلنة لذلك هو ما أطلق داعش. وعليه فإن تلك الأخيرة لن تنتهي ويقضى عليها في العراق فقط، ولا حتى في سوريا، إذ إن محاصرة داعش ومثيلاتها وإعادة الاستقرار للمنطقة ما عاد يمكن تحقيقه من دون حل شامل، تكون سوريا والسوريون في صلبه.

ورغم العداء الشرس لتنظيم الدولة الإسلامية الذي أعدم وقتل الكثير من مقاتلي الجيش الحر والمدنيين، ربما تجد في قلب العديد من السوريين نوع من الشماتة أو الفرح بتمدد التنظيم الإرهابي، وفقدان الغرب وصنيعته في العراق، نوري المالكي، القدرة على كبح جماحه.

وقد تقرأ في عيون السوريين الحزينة اللوم والعتب على هذا العالم الصامت لأربعة أعوام عن قتلهم وإبادتهم: إن عدم كبح إرهاب النظام السوري هو ما أوصلكم إلى جحيم “الخلافة”.


كاتب فلسطيني سوري

8