الحل في الرياض وليس في جنيف 2

الثلاثاء 2013/10/29

مؤتمر جنيف2 الذي يجري التحضير له لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد في المفاوضات بين الأطراف المعنية والمؤثرة في الأزمة السورية، فالحل كما تراه إيران أو على الأقل الرئيس المعتدل حسن روحاني وطاقمه السياسي لن يكون في جنيف2 ولا حتى بالتوافق الروسي الأميركي أو التقارب الإيراني الأميركي، أو بصفقة شاملة بين إيران وأميركا ومعهما روسيا والصين.

وحتى بعد المحادثات المكثفة التي أجراها المبعوث الأممي الجزائري الأخضر الإبراهيمي في طهران وشملت لقاءات مع الرئيس روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف وأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الأميرال علي شمخاني، فإن العارفين بخفايا الأمور في طهران يفهمون تأكيدات روحاني وباقي المسؤولين الإيرانيين الذين التقاهم الإبراهيمي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تدخر أي جهد لإنهاء الصراعات في سوريا واستعادة الهدوء إليها تحت عنوان مؤتمر جنيف2 أو غيره، بأن إيران التي ترجح الحلول الناتجة عن الطبخات السرية، لا تعول كثيراً على مؤتمر جنيف2 وغيره من الاجتماعات التي يختلط فيها الحابل والنابل، والسلمي بالإرهابي والسياسي بالعسكري، وتحضره أطراف متباعدة في أهدافها ونواياها يصعب على رجل مثل الأخضر الإبراهيمي جمعهم حول طاولة واحدة خصوصاً المعارضين لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

صحيح أن إيران أكدت أنها ستحضر المؤتمر لو دعيت له بدون شروط مسبقة، أي أنها لن تعتبره تكملة لما بدأه مؤتمر جنيف1 بعد تراجع الحل العسكري والتهديدات بتوجيه ضربة أو ضربات لسوريا والتقارب الملفت بينها وبين أميركا، وبروز تفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق حول ملفها النووي من شأنها أن ينعكس إيجابياً على أزمات إقليمية لإيران ضلع فيها كالأزمة السورية، لكن الصحيح أيضاً هو أن إيران روحاني، تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف وهي تدرك تماماً أن تقاربها مع أميركا أزعج المملكة العربية السعودية القادرة على عرقلة ما يمكن التوصل له في مؤتمر جنيف2 وغيره، وهو ما أشار له بوضوح روحاني وهو يوظب حقائبه للقيام بزيارته المنتظرة إلى الرياض تلبية لدعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز.

روحاني كان زار الرياض في يونيو 2005 عندما كان أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي وتوصل إلى تفاهمات هامة مع السعوديين نزعت فتيل توتر خطير كان يهدد العلاقات الإيرانية السعودية في ضوء ضغوط أميركية على الرياض (لم تستجب لها) لاتهام ايران رسمياً بالوقوف خلف تفجير الخُبر الذي وقع في 25 يناير 1996 في مجمع سكني للقوات الأميركية وقتل فيه 19 جنديا أميركيا وجرح 372 آخرين، ونجح في أن يجنب إيران تحمل مسؤولية التفجير رغم اتهام الولايات المتحدة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وهو الفرع الخارجي لهذه القوات بالتورط في الحادث، لكن إيران نفت هذه الاتهامات واتهمت بدورها القاعدة بتنفيذ العملية.

ولقد قيل الكثير في الدهاليز الإيرانية عن عزم روحاني تطوير الاتفاقيات المنعقدة بين طهران والرياض خلال فترة رئاسة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي وخاصة في المجال الأمني، وهو يتطلع إلى أن تشهد العلاقات السعودية الإيرانية في عهده تطورا في التعاون الأمني وخاصة في مكافحة الإرهاب وبقية المجالات التي تهم الجانبين وعلى رأسها الأزمة السورية.

وفي هذا الواقع تحرص طهران على أن تزيل كل العقبات التي تعترض تقاربها المنتظر مع واشنطن وهي تعرف جيداً بحجم التأثير السعودي على علاقاتها الإقليمية والدولية وانعكاسات أي علاقة سلبية بينها وبين الرياض على المصالح الإيرانية العليا، خصوصاً في المنطقة.

وحيث أن الملف السوري ومعظم القضايا الاستراتيجية هي في الأساس ليست بيد الحكومة الإيرانية التي تؤثر في مسار هذه الملفات على قدر كل رئيس وقربه أو بعده من الحرس الثوري وقوى الضغط الخفية التي تحرك معظم الملفات في إيران وصارت لها سطوة ونفوذ كبيران في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، كان لزاماً على روحاني التحرك تحت سقف المرشد علي خامنئي الذي أصبح هو من يريد التغيير خصوصاً في الملف النووي لأسباب اقتصادية لها انعكاساتها الداخلية المرعبة في البلاد.

وإذ نجح روحاني في نقل الملف النووي من المجلس الأعلى للأمن القومي ومن ورائه الحرس الثوري إلى وزارة الخارجية لكن تحت إشراف خامنئي مباشرة، فإن أي حل يمكن أن يتحقق للأزمة السورية هو رهن أيضاً بما سيتحقق في المفاوضات الجارية مع «السداسية» (الدول الخمس دائمة الأعضاء في مجلس الأمن وألمانيا) حول النووي، وهذا الأمر أزعج السعودية الحليف الاستراتيجي لأميركا، وهو ما لن يتجاهله روحاني أبدا الذي تحرك مؤخرا على خط الحرس الثوري لإقناع قادته خصوصا المتورطين مباشرة في دعم الرئيس السوري بشار الأسد، بأهمية عدم تجاهل الدور السعودي في الأزمة السورية ولسان حاله يقول لهم: حل الأزمة السورية في التقارب مع الرياض وليس في جنيف2، وهذا ما أبلغه الأميرال شمخاني للأخضر الإبراهيمي بقوله إن أي حل للأزمة السورية يجب أن ينطلق من تفاهم إقليمي يسبق أي توافق دولي. للإشارة فإن شمخاني الحاصل على أرفع وسام سعودي هو وسام عبدالعزيز آل سعود من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما كان وليا للعهد اعترافا بدوره في تعزيز العلاقات بين البلدين، كان زار الرياض في عهد خاتمي وصار أول وزير دفاع ايراني يزور المملكة، وجاء تعيينه في منصبه الحالي المؤثر في صناعة القرار حول القضايا الاستراتيجية ومنها رسالة واضحة من روحاني على رغبته في تحسين العلاقات مع السعودية وإزالة جميع العقبات التي تؤثر على تعاونه المشترك معها لتحسين الأمن الإقليمي.


كاتب عراقي

9