الحل يجب أن يكون سوريا

الجمعة 2013/11/08

قبل الذهاب إلى جنيف لإنهاء الحرب الشرسة الدائرة على الأرض السورية، يستلزم أن تتفق الأطراف كلها على تحديد المشكل السوري وتعيينه بدقة وصراحة، ويستتبع ذلك، ليس تحديد من يحضر في وفدي الطرفين، بل تعيين فريق منهما لتحديد طبيعة المشكل وماهيته، ثم كل ما بعد ذلك مجرد تفاصيل صغيرة.

لماذا يذهب السوريين إلى جنيف؟ وعلى ماذا يراهن طرفا الأزمة؟ وهل سيحصلان في السياسة على ما عجزا على الحصول عليه في الميدان. أم أن الحضور»إن حصل» سيكون مجرد استجابة لضغوط الأطراف الدولية، فيما يبدو أنه محاولة لعدم تعكير أجواء التوافق الدولي؟

ليس لدى أطراف الأزمة حتى قليل من الإجابات عشية الانخراط بالعملية السياسية في جنيف2، لديهما الكثير من تكتيكات الخداع السياسي والمناورات السياسية المكشوفة في أغلبها، لكن هذه لن تضمن لأحد الطرفين السيطرة على الوضع الداخلي، حتى لو ضمنت له فوزاً تفاوضياً واعترافا دولياً، بنسبة معينة، ذلك أن الأزمة، ورغم درجة التأثير الخارجي فيها، إلا أنها تشتغل بديناميات داخلية ستظل لديها القدرة على تشغيل حالة الصراع وإدامته، طالما لم يجر تفكيك تلك الديناميات وإبطال مفاعيلها.

ورغم ما يحكى عن تدخل خارجي لصالح طرفي الأزمة، من دعم عسكري ومعنوي، فإن ذلك لم يفعل سوى رفع منسوب الصراع بالنسبة لأزمة وصل فيها الخلاف الداخلي إلى درجة صار معها الاستقطاب الخارجي واحداً من آليات اشتغالها، فلم يكن العامل الخارجي قادراً على التعبير عن نفسه بهذا الوضوح لو لم يتسنّ له البناء على مبررات أفرزتها بنى الصراع الداخلي، وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل على مدى التصدع والافتراق الحاصل في البنى «الوطنية» السورية، سواء لجهة أسس العيش المشترك بينها، أو لإدراكها عن بعضها البعض وتصوراتها لمآلات الصراع وحدوده.

إذن المشكلة في الداخل السوري، والابتعاد عن المكاشفة الواضحة والصريحة لأبعاد الأزمة ومسبباتها، ليست سوى تقنيات، أو تقيات، لضمان استمرار الأزمة، ولم يعد مفيداً الاختباء وراء المصطلحات والتسميات، رغم أثرها القانوني والسياسي، ذلك أن ما بات مطلوباً اليوم هو إنقاذ ما تبقى من البشر والعمران، فسوريا الواحدة الموحدة لن تكون لأي من طرفي الصراع بعد اليوم، كما لن يتمكن أحدهما من الفوز أصلاً في هذا الصراع، ذلك أن القضية ليست عسكرا مقابل عسكر، ولا سلاحا مقابل آخر، القضية باتت في سوريا قضية بنى ومكونات اجتماعية في مواجهة نظيراتها «الوطنية»، كمــا أن أساس الصراع بات طائفيــــاً بامتياز.

قد يرى البعض أن في ذلك انتصارا لمنطق نظام الأسد، أو تشريع نافذة له للتخلص من جرائمه بحق السوريين، ربما ذلك صحيحاً، لكن أيضاً ما العمل أمام حالة وطنية مشرذمة ومنقسمة، وما العمل ما دامت الحرب تخاض على الأرض بأدوات طائفية، فهل يكفي الخطاب الإعلامي والسياسي لإنكارها.

الواقع والممارسات على الأرض تكذب الخطاب السياسي لطرفي الأزمة، وحالة الاستقطاب المذهبي، لدى جميع الطوائف السورية لم تعد بحاجة للإنكار، ولا يفيد تفلت بعض الأفراد من هذه الحالة الإستقطابية العدائية التي تصبح المجتمعات في ظلها مجرد قطعان تقودها غرائز الخوف وحالة الشك تجاه الآخر.

المشكلة تكمن في الداخل السوري، وحل هذه المشكلة لن يتم بأماني الوحدة الوطنية ودعوات العيش المشترك، هذا ضرب من الأحلام المؤذية، الحل يكمن في الاعتراف بالمشكلة وتعيينها بدقة ثم معالجة أسبابها، أو لنقل مفرزاتها، على اعتبار أن أسبابها ثورة وطنية جرى «تطييفها» عبر تكتيكات سياسية اتبعها النظام وساعده بدرجة كبيرة حالة الاستعداد والقبول لدى مكونات وطنية، ثبت أنها ثقافتها السياسية عن الدولة والوطن هي ثقافة الما قبل، في حين أنها حظيت بنظام سياسي ساهم بترسيخ هذه الحالة وإدامتها.

الحل ليس في جنيف، وإن كان لا يضر إعلانه من تلك المدينة الراقية، الحل يجب أن تنتجه القرى والأرياف والمدن السورية، وعلى أساسه، يجب أن تترفع الوفود عن صفتها الطائفية والعرقية وتطرح هواجسها وتصوراتها عن الوطن الذي سيتم بناؤه بناءً على تلك الحيثيات، ومن ثم يمكن الحديث عن تشكّل مجال سياسي عام يمكن الانطلاق منه للتوافق على مختلف القضايا الإشكالية.

في هذه الأثناء يوجد في سوريا مجال للتصارع والاشتباك الحربي، فيما يتوارى المجال السياسي القادر على إنتاج الحلول السياسية.


كاتب سوري

8