الحماة في التراث الشعبي تمثل المجتمع الذي يستهدف إخضاع المرأة

الأحد 2014/11/02

العداء الفطري بين زوجة الابن وحماتها موجود في كل الجماعات الإنسانية في جميع أنحاء العالم، وهو قديم قدم الإنسان وما زال مستمراً في أيامنا هذه.

يكثر هذا العداء في المجتمعات التي يكون فيها نظام الأسرة الممتدة؛ حين يقيم الأجداد والآباء والأحفاد في منزل واحد حيث الحاجة إلى الأيدي العاملة والترابط الأسرى، خاصة في القرى والمجتمعات الريفية، إذ تكون السيطرة على نساء البيت الكبير من قبل الأم الكبيرة والتي تعتبر الحماة لزوجات أبنائها الآمرة الناهية. وسميت الأم الكبيرة بالحماة لأنها تحمي شرف العائلة من خلال سيطرتها.

ويبدأ الصراع بين الحماة وزوجة الابن منذ ليلة الدخلة، وذلك لتأكيد أن البيت ملك لوالدة العريس، وأنها سيدته الأولى وستبقى، ويلزم النظام العائلي العروس بأن تسكن في بيت العائلة أو في مكان قريب منه، وأدى هذا الوضع إلى تدخل الحماة في حياتها وإلى السيطرة عليها، وتستقبل الحماة العروس بالتبريكات والدعاء لها بإنجاب الأولاد الذكور والعلاقات الحسنة مع العائلة.

ومهما كانت طيبة الحماة فإن الموروث الشعبي يبرز العداء التقليدي الموروث “الحما حما ولو نازلة من السما”، ولا تطبق المثل دلعي حماتك تسعد حياتك”.

فهي تعتبر حماتها قدرا يجب أن تتحمله من أجل أن تعيش وترضى عنها ويرضى عنها زوجها منذ البداية فتسأل زوجها “أمك جاية ليه ليلة فرحنا”.

وعندما ينشب النزاع بين الحماة والزوجة يؤدى ذلك إلى غضب الزوج من الاثنتين فتسارع الزوجة إلى مرضاة زوجها على حساب أمه.

وتلك العادات المتوارثة بين الحموات والزوجات لها عدة تفسيرات، أولها: عدم رغبة الأم في التخلي كلية عن البيت والابن لزوجة المستقبل، وعدم الثقة الدائمة بالغريب.

فلماذا تحب الحماة زوج ابنتها وتكره زوجة ابنها؟ بعض علماء النفس يرون أن زوج البنت عادة ما يدخل العائلة وينضم إليها ويصبح فرداً من أفرادها بسبب كثرة زياراته لبيت خطيبته أثناء الخطوبة.. فتتوطد علاقته بهم، فتعتبر الحماة زوج ابنتها ابناً لها يعوضها عن ابنها إذا لم يكن لها ابن أو إذا تزوج ابنها وأصبح له عالمه الخاص.

وعموما فهذا الأمر ليس قاعدة، لكن احتمال أن يكون حبّ الحماة لزوج الابنة أكثر من حبها لزوجة الابن بسبب الغيرة، فالمرأة عادة تغار فتشعر أن زوجة ابنها قد شاركتها في ملكيته أو انتزعت منها اختصاصها في السيطرة عليه فيحدث تنافس بينها وبين زوجة الابن، خصوصاً أن الحماة تعتبر ابنها راعي أسرتها، فقد يكون المسؤول عنها مادياً، وقد يأخذ دور الأب فيمثل حماية لها وتشعر بأنها تفقد كل هذا، أما بالنسبة إلى ابنتها فلا تأخذ هذه الأدوار، لكن الحماة الناضجة السوية المتزنة عقلياً ونفسياً تستطيع أن تسمو بمشاعرها وتحولها إلى مشاعر إيجابية سواء مع زوجة الابن أو زوج الابنة.

وإذا أعلنت المرأة رفضها للنظام العائلي ورفضت الحماة فتلك هي الشرارة التي ستشعل فتيل حرب الرفض لكل شيء فيه إكراه للمرأة وكسر شوكتها، فالحماة تمثل المجتمع الذي يستهدف إخضاع المرأة.

مثل هذه الكلمات هي بمثابة ثورة وتمرد تعلنها المرأة على الأنظمة والقوانين العائلية السائدة التي تلزمها بالتبعية وتشعرها بامتلاك الأسرة لها ومحو شخصيتها المستقلة، والثورة هنا هي ضد طرف واحد في العائلة ومن نفس الجنس (أنثى)، فالأنثى تتمرد على الأنثى لأنها تعتبرها ضعيفة مثلها، ولكنها تمثل وترمز لكل ما يهدد حريتها وكيانها، ولا تقتصر العلاقة العدائية على الذم بل تصل إلى تمنى الموت لحماتها.

ومن العادات الشائعة في الكثير من القرى المصرية أن تستقبل الحماة عروس ابنها على باب المنزل تقف فوق كرسيين فاتحة رجليها لكي تمر العروس من تحتها إلى داخل البيت، وهذا رمز لخضوعها لحماتها ولكي تكون دائماَ وعلى تعبيرهم “(تحت) رجلين حماتها وتحت طوعها”. وجاء ذلك في كتاب “القيم والعادات الاجتماعية” للدكتورة فوزية دياب.

ويحفل التراث الشعبي بالعديد من الأغنيات التي تتردد في مناسبات الاحتفال بالزواج وليلة الحنة وهذه الأغاني لها أهداف اجتماعية وتربوية وعادة ما تحتوي على النصح والإرشاد والتوجيه للزوجة تحثها على ضرورة الحفاظ على علاقتها الطيبة بزوجها وحماتها وأهل بيتها وتعالج هذه المعاني بنوع من الفكاهة والتندر، وتتصف هذه الأغاني بشيوع روح الدعابة والفكاهة، حتى إن السيدات الكبيرات هن اللاتي يغنينها أحياناً، دون أن يستثير ذلك إلا مجرد الضحك والمرح، وتمثل المتعة والتسلية وظيفة مهمة من وظائف الأغنية الشعبية، ويمكن أن نعدها مرآة للثقافة بمعنى أنها تحمل إلينا خبرات المجتمع ومعتقداته ورؤيته للحياة والعلاقات المختلفة فيه.

كما نجد في الأغاني الشعبية بعضا من الأغاني التي تمجد أم العريس وتبجلها ونجد على الطرف المقابل أغاني أخرى تجسد الصراع، وليس هذا تناقضاً فالأغاني تعبر عن المواقف الحياتية التي تمر بها الشخصية، ومازالت العلاقة الجدلية قائمة بين الحماة وزوجة الابن بين العداء حيناً والمودة حيناً آخر، وتظل الأغاني الشعبية مرآة لواقعنا الاجتماعي.


مدير مركز دراسات تراث الصعيد بمصر

21