"الحمار الذهبي" مسرحية عن كيفية اكتشاف الفرد لإنسانيته

رواية من أحد عشر كتيبا تسرد على الخشبة يسرد فيها المؤلف أبوليوس مكابدات بطله لوقيوس من خلال شراب سحري يحول البشر من جنس إلى جنس.
الاثنين 2018/03/12
تأمل في الوضع الإنساني بأسلوب هزلي

بعد مسرحية “أمفيترو” لبلوتوس التي تَواصل عرضُها طيلة خمس سنوات، اختارت فرقة “لا يهم الغليسين” نصا آخر يرجع عهده إلى العصر الروماني هو “التحوّلات”، الذي عرف بعنوانه الثاني “الحمار الذهبي”.
وهذا النص السردي اختلف المؤرخون في نسبته، فقال بعضهم إنه من وضع اليوناني لوقيوس باتراس، ونسبه آخرون إلى السوري لوقيانوس السمسطائي، ولكن الأغلبية أقرّت بأن مؤلفه هو أبوليوس المدوري (123-170) الذي ولد في قرية مدوروش (جنوبي سوق هراس الجزائرية حاليا)، وتعلم في قرطاج ثم في أثينا.
وعرف عنه ولعه بالعلوم والفلسفة والسفسطائية والدين والطب وعلم الفلك والأعشاب الطبية وخاصة السحر، حتى أنه اتهم أمام القضاء بسحر أرملة ثرية كان تزوجها، والاستحواذ على ثروتها، واضطر أن يدافع عن نفسه في خطبة بليغة عن السحر الأسود، كما اهتم بالميثولوجيا الإغريقية والرومانية والفرعونية، ولا سيما عبادة إيزيس، الإلهة المصرية التي حازت قداسة لدى شعوب البحر المتوسط في ذلك الوقت. وبعد أن أنهى دراسته عاد إلى مسقط رأسه حيث اشتهر بين الناس بمواهبه في الخطابة والفيلولوجيا، وكتاباته الفلسفية الجادة، ولكن الأثر الوحيد الذي تركه هو هذه الرواية، التي تأثّر بها بعض الكتاب مثل فولتير في “كنديد أو التفاؤل” وديدرو في “جاك القدري”.
وتحتوي رواية “الحمار الذهبي” على أحد عشر كتيبا، يسرد فيها أبوليوس مكابدات بطله لوقيوس، الذي أراد أن يكتشف أسرار الغيب، فأغرى فوتيس، خادمة امرأة خبيرة في السحر تدعى بامفيلي، كي تختلس له شرابا سحريا سوف يحوّله من جنس إلى جنس، ولكن الخادمة الغبية أخطأت، واختلست شرابا آخر، وبدل أن يتحوّل لوقيوس إلى طائر كما كان يحلم، تحوّل إلى حمار. 
ومن ثم وجب عليه أن يأكل وردا نديّا كي يستعيد صورته الآدمية. وبما أنه صار حمارا، فقد تداولته الأيدي وعاملته كما يعامل الحمار في العادة، فعانى ويلات لا تخطر ببال، كاعتزام أحد مالكيه تزويجه لامرأة محكوم عليها بأن تعيش في سيرك بكورنتيا.

الفتى لوقيوس تكتمل رحلته في نهاية الرواية-المسرحية، حيث بدأ ساذجا بسيطا، ثم حاز الحكمة وأصبح إنسانا بحق

ويرفض لوقيوس/ الحمار هذه الفعلة الشنيعة التي تسيء إليه وإلى كرامته، فيهرب إلى شاطئ سخريس المطل على بحر إيجه، حيث تنقذه الإلهة إيزيس، إذ يجد خلال حفل يقام على شرفها الورد المنشود، يأكله فيستعيد آدميته، فيعتنق إثر ذلك ديانة إيزيس، ويصبح كاهنا ينشر تعاليم ذلك المعتقد، وبذلك تكتمل رحلة الفتى لوقيوس، الذي بدأ ساذجا بسيطا، ثم حاز الحكمة وأصبح إنسانا بحق.
والمسرحية تقتفي خطى السرد كما جاء في الرواية، مع استثناءات قليلة، وقدر كبير من الخيال، خيال مجنّح تجاوز به المخرج فرنسوا شارّون وأعضاء فرقة “لا يهم الغليسين” الفرنسية إمكاناتهم المحدودة، ليبتكروا حيلا بسيطة، ولكنها فعّالة ومقنعة، تنتزع الضحكة، ولا تسيء إلى تنامي الحكايات التي يأخذ بعضها برقاب بعض، إذ كانوا يجيئون بمِرَش عند الحديث عن المطر، ويصنعون برّوكة من خيش المكنسة لتصوير امرأة عجوز، ويلصقون أذنين طويلتين على صدغي الممثل الذي يقوم بدور الحمار.
ومن خلال بنيتها، التي يتضمّن جزؤها الأوسط حلقة “بسيخي” التي غارت منها فينوس فأرسلت ابنها كوبيدون كي ينتقم منها، وقد أوردها أبوليوس في شكل قصة ترويها امرأة عجوز لفتاة اختطفها قطاع طرق، تتبدى “الحمار الذهبي” رواية مغامرين ومتشرّدين يعيشون وضعيات وأطوارا متقلبة، ولكنها تحمل بعدا دينيا وصوفيا، فإيزيس هي التي حررت لوقيوس من عالم العذاب والألم، من خلال إيناسه بتعاليم معتقدها، جزاء بحثه عن الحقيقة التي كان يظنها كامنة في علوم السحر والتنجيم.
والرواية تأمّل في الوضع الإنساني بأسلوب هزلي، حيث يكتشف الفرد إنسانيته عبر السحر الأسود، في حكايات متداخلة تدور أحداثها في تيسّاليا، بلد الساحرات، وهي أيضا تعبير عن سعي الإنسان إلى المعرفة، مدفوعا بفضول سوف يضطره إلى الهروب من حياة المعيش اليومي، والارتماء في عالم السحر الذي دخله بلا تروّ.
ولكن السحر لم يتبد كبديل حق عن الحياة المعتادة، بل كشف له عن جحيم النفس الإنسانية، وأتاح له الوصول إلى الواقع المخفي خلف العالم المرئي المعتاد، فلما استعاد آدميته أدرك أنه بلغ يقين خلاصه.
ولئن حافظ المخرج على روحها المرحة، فإنه حافظ أيضا على كون الرواية سرديةَ تعلُّم، فالشاب الساذج يكتشف، بعد أن تحوّل إلى حيوان، قسوة البشر وحمقهم وسوء معاملتهم للحيوانات، فصار إنسانا بحق بفضل رؤية متسامية للإنسان، وبفضل وحي رباني مرّ عبر الإلهة إيزيس، كاستعارة للحكمة، أي أن المخرج حافظ في النهاية على البعد الأخلاقي الذي يمازج الرواية، فـ”الحمار الذهبي”، في تصوّره ليست هزلا خالصا يراد به الترويح والتسلية، بل هي حمالة لمضامين دينية وفلسفية، تفتح على المعرفة والخلاص بالمفهوم الديني.

16