الحمار ليس حصانا سيئا

الثلاثاء 2014/02/04

لا أقصد هنا أي إساءة لصديقي وحبيبي الحمار! كما أنني أكن عظيم الاحترام لجميع أحزاب الحمير الكثيرة في أنحاء العالم.

المقصود هنا أن الحمار كائن فريد ومختلف ولا مجال لمقارنته بالحصان ولا بأي حيوان آخر.

يمكن بالقياس القول، إن الذئب ليس كلبا متوحشا، وأن الكلب ليس ذئبا أليفا أو مطيعا... كما أن الحصان ليس حمارا كبيرا، وأن أي شخص لا يمكن قياسه ومقارنته بشخص آخر. حكمة أن «الحمار ليس حصانا سيئا» تم ابتكارها للرد على كل يعمم قناعاته ومقاساته الأخلاقية القاسية على الجميع.

فكل يوم نسمع آلاف الاشخاص الذين يصفون هذا بالكلب وذاك بالحمار وغيرهما بالمنحط وحتى بالكافر، وهم في أغلب الاحيان لسوا أكثر مثالية ولا أرفع أخلاقا من الذين يوجهون النقد إليهم.

قبل أيام وجدت نفسي بحضور شخص يصف الناس البسطاء بالفلاحين والحمير كصيغة لذمهم، والإشارة إلى سذاجتهم مقارنة بعبقريته... فتساءلت وما الخلل في الفلاحين أو حتى الحمير؟

قلت له إن الحمار والفلاح جزء طبيعي وحيوي ومنسجم مع الحياة مثل الشجرة والنهر، وأنهما أكثر انسجاما مع الحياة من المفكرين والفلاسفة والسياسيين والمثقفين، وأقل عرضة منهم للوقوع في الخطأ وارتكاب الجرائم والتناقضات.

قلت له إن الحمار ليس حصانا سيئا، فبهت ونالت منه المعادلة أكثر من كل حججي الأخرى، رغم أنه سخر منها ولم يقتنع بتلك «الحقيقة المطلقة». المقارنة بغرض القياس والتفضيل ظالمة وغير منصفة، وكذلك تقييم درجة الذكاء والقدرات بغرض الإدانة.

ليس القصد أن لا تكون هناك مقاسات للقدرات والكفاءة عندما يتعلق الأمر بالعمل، لأنه يهدف لتحقيق هدف محدد، فذلك أمر طبيعي، لكني اقصد التقييم، الذي يتعارض مع كرامة الانسان، كأن نقول أن هذا الشخص الذكي جيد، وهذا الانسان البسيط غبي أو غير جيد قياسا بالشخص الآخر.

فالأمر يشبه أن توصف شجرة الصفصاف بأنها شجرة تفاح سيئة أو القول بأن الأفعى خطأ والخروف صح! أو أن عمال البناء أفضل من عمال النظافة، أو أن اليابانيين أفضل من النيجيريين.

هناك اصطلاح تتداوله معظم ثقافات العالم المتحضرة، وهو «غريزة الحق» وهي جزء أساسي من غريزة البقاء. هذا الاصطلاح الذي تشير به الشعوب المتحضرة للتدليل على أن الحق مجرد غريزة شخصية للتقليل من الحماس لسطوتها المطلقة. هذا الاصطلاح لا وجود له في الثقافة العربية.

جميع مجرمي التاريخ وحتى اللصوص والإرهابيين والطغاة والسفاحين، بل وجميع البشر مقتنعون بأنهم إلى جانب «الحق المطلق». وهم لا يقرون بالخطأ إلا في إطار تكتيكي حين يكون في ذلك تعزيز لموقعهم وحضورهم أو يكونون مضطرين تحت ضغط أو سلطة المحيط.

هتلر وبوش وبلير وصدام والقذافي وبشار والإرهابيون والطائفيون وجميع رجال الدين والسياسة يستندون إلى الحق المطلق ويقيسون به جميع الآخرين.

يحاصرنا كل يوم في حياتنا الشخصية وما تقصفنا به وسائل الإعلام، الكثير من الخطابات المثالية ومقاساتها الصارمة وحقها المطلق.

لكن معادلة «الحمار ليس حصانا سيئا» مكنت من تفجير الكثير من تلك الخطابات القاسية وجعلت الحياة أكثر مرونة وقبولا.


كاتب عراقي

9