الحمامات التقليدية في لبنان قليلة تعدّ على أصابع اليد

معظم الحمامات التقليدية في المدن اللبنانية أغلقت خلال الحرب الأهلية وفقدت جاذبيتها بعض الشيء مع انتشار الحمامات العصرية خاصة في المدن الكبيرة.
الثلاثاء 2019/02/12
أجواء ملوك وسلاطين

توصف بعض عاداتنا وتقاليدنا في العيش بأنها قديمة، لكن يقبل عليها السياح لمعرفة أجوائها وتفاصيلها فينبهرون بها، الحمامات التقليدية في لبنان اليوم تشهد عدم اهتمام من قبل اللبنانيين الذين صارت لهم حمامات في منازلهم وآخرون أقبلوا على الجاكوزي باعتباره من الحياة المعاصرة، لكن الحمامات تشهد إقبالا ممن يأتي زائرا للبلاد، لأن فيها أجواء وطقوسا تشبه طقوس ألف ليلة وليلة، وبعض الشباب عادوا لاكتشاف هذه الحمامات التي تنعش الجسم والنفس.

بيروت- كانت للحمامات القديمة في لبنان شعبية كبيرة عند الناس، لما لهم فيها من حاجات ضرورية في حياتهم؛ فيها يلتقي الرجال، حيث يأتون بعد أداء أعمالهم آخر النهار جماعات، أصدقاء أو أقارب، لقضاء بعض الوقت في كنف الراحة والاستجمام، أما النساء واللاتي كانت مواعيد استحمامهن في الصباح عادة، فلهن في الحمام مآرب كثيرة، حيث تُضرب المواعيد مسبقا بين الصديقات أو القريبات المتقاربات في السن لتبادل الطرائف والحكايات.

والحمام بالنسبة للنساء هو فسحة مرح وحرية إضافة إلى أنه كان ولا يزال مصدر أخبار أهالي الحارة، كما أنه كان في السابق ملتقى الباحثات عن الزوجات لأبنائهن، فهناك تتعرف الأم على زوجة ابنها بعد التأكد من جمالها وحسن طباعها من خلال المراقبة وسؤال النساء الأخريات عنها.

كان يوجد الكثير من الحمامات التقليدية في بيروت وصيدا وطرابلس، لكن معظمها أغلق خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990 وفقد جاذبيته بعض الشيء مع انتشار الحمامات العصرية خاصة في المدن الكبيرة.

وتتفق الحمامات الشعبية اللبنانية مع الحمامات في المدن العربية الأخرى من حيث المعالم المعمارية والطقوس؛ يدخل الزبائن إلى ردهة الاستقبال، ثم الردهة “البرانية” وهي غرفة فسيحة يستبدل فيها المستحم ملابسه بالمناشف، ويلبس القبقاب الذي يوفره صاحب الحمام للرجال، ليدخل إلى الردهة المعتدلة الحرارة، ثم يمر إلى غرفة الأجران المملوءة بالماء الساخن، ثم ينتقل إلى غرفة البخار التي يظل فيها إلى أن يتصبب عرقا، وهي مرحلة ضرورية لعملية الاستحمام لأنها تسهل عمل “المكيّس” وهو العامل الذي يشرف على تنظيف أجساد زبائنه.

بعدما يحصل جسد المستحم على الحرارة الكافية، تبدأ عملية التكييس في غرفة أقل حرارة، حيث يستلقي المستحم على الأرض ليتولى عامل الحمام فركه على مرحلتين؛ المرحلة الأولى فرك الجسم بشدة لإخراج الأوساخ والأدران، ثم يسكب عليه الماء الحار، ليبدأ بعد ذلك بالمرحلة الثانية من الفرك بكف ناعم ثم عملية التدليك الذي لا تخلو من بعض الحركات الشديدة والتي يؤكد المكيس أنها ضرورية، وهناك من يفضل عملية التدليك قبل التنظيف بالليفة الخشنة.

بعد هذه المراحل ينتقل المستحم إلى القسم «الوسطاني»، ويجلس على مقعد حجري يتوسط الفسحة، فينشف جسمه جيدا ويبقى لفترة استعدادا للخروج. وفي النهاية يخرج المستحم من جديد إلى القسم البراني ليقضي وقتا من الاستجمام والراحة التي تطول إذا كان مع جمع من الأصدقاء الذين قدموا معا، ليدخنوا النرجيلة (الشيشة) مع احتساء كوب شاي أو زهورات أو القهوة حسب المزاج.

حمام النزهة يواجه الجاكوزي

الصابون البلدي منعش
الصابون البلدي منعش

هذه الحمامات التي كانت منتشرة في كل حارة وسوق، أصبحت اليوم ترفا بعد أن كانت حاجة ملحة في الماضي لعدم توفر المياه في كل البيوت، وكان في بيروت عدد منها، كحمام فخرالدين أو حمام السرايا، وحمام القيشاني، وحمام الأوزاعي، وحمام الدركة، وحمام الباشورة وزهرة سوريا والبحري، وحمام النزهة المعروف إلى يومنا هذا، ومازال الرجال يترددون عليه سعيا وراء بعض الاسترخاء في جوه الدافئ العبق بالبخار والروائح العطرة.

ويعود حمام النزهة في بيروت إلى بدايات القرن الماضي وهو بناء حجري عثماني الهندسة يقع في ساحة رياض الصلح، ويعتبر آخر الحمامات الشعبية في العاصمة اللبنانية الذي نجح في منافسة المراكز الحديثة التي تقدم خدمات مشابهة على النمط الغربي.

يقول أحمد بيرقدار صاحب الحمام الذي ورثه عن عائلته التي بنت الحمام سنة 1920، “إذا كان الزبون يريد حماما مريحا على الطريقة التقليدية بسعر معقول جدا، لا شيء يضاهي الحمام التقليدي”، مضيفا، “مازال لدينا زبائن من كل المناطق ممن يبحثون عن الهدوء والاسترخاء واللقاء مع الأصدقاء”.

يقول الشاب حسام، “أرتاد الحمام مرة في الأسبوع سعيا لبعض الاسترخاء وراحة الأعصاب، فالماء الدافئ والبخار المتصاعد والأضواء الخافتة تساهم في تهدئة الأعصاب المتشنجة من ضغط العمل اليومي والهموم السياسية والاجتماعية”.

ويقول صديقه هشام، “أنا من الزبائن المداومين على هذا الحمام أسعى إلى الاسترخاء هنا بعد أسبوع من التعب، صار الموعد مع أصدقائي معروفا في نهاية كل أسبوع، حيث نلتقي أولا في الحمام ثم نكمل السهرة مع بعضنا”.

ويستقبل الحمام زبائنه على أنغام الموسيقى وفناجين القهوة والمشروبات الساخنة في ردهة الاستقبال التي تتوسطها بركة مثمّنة الأضلاع من الرخام الملون يخرج منها ماء رقراق، وإلى جانب ردهة الاستقبال، هناك غرفة للاستراحة تسمى “البراني”، تتوزع فيها المقاعد الحجرية المغطاة بالطرّاحات الحريرية صيفا، وبمنسوجات صوف الغنم شتاء. ويخصّص الحمام يوم الاثنين من كل أسبوع للنساء، حيث تتولى سيدات عدة مهام العمل في هذا اليوم.

ومازالت فتيات بيروت المقبلات على الزواج يحجزن لعائلاتهن وصديقاتهن ليقضين يوما حافلا بالفرح، ومن التقاليد القديمة في اليوم الذي كانت تذهب فيه العروس إلى الحمام قبل الزفاف، كان العريس يبعث إلى عروسه فوطة العروس، وتكون مملوءة حلوى وفاكهة.

حمام النزهة أصبح اليوم مزارا سياحيا، ففي فصل الصيف، يزداد عدد مرتادي الحمام، خصوصا من الزوار العرب، ويشكل الخليجيون نسبة 70 في المئة منهم، يقول بيرقدار إن عائلات خليجية تأتي إلى الحمام طيلة فترة الإقامة في بيروت، نظرا إلى فرادته وظرافته وتراثيته.

ويضيف قائلا، “من المرتادين لحمام النزهة أيضا الكثير من السياح الأجانب، خصوصا الفرنسيين والسويسريين، ناهيك عن موظفي السلك الديبلوماسي في السفارات الأجنبية والعاملين في لبنان”.

حمام العبد مازال مفتوحا

ولحمامات لبنان جذور ضاربة في التاريخ مثل حمام العبد في طرابلس، وعمره 500 سنة، ويعود أيضا لآل بيرقدار، أصحاب حمام النزهة في بيروت. كثيرون لا يعرفون أن حمام العبد، الكائن في منطقة الأسواق القديمة في طرابلس، لا يزال يعمل، إذ يقصده البعض للاطلاع على طابعه الأثري وبنائه الحجري أو محاولة اكتشاف ماض قريب، فيفاجأون بأنه لا يزال يستقبل زبائنه من الباحثين عن الراحة والاستجمام في أجواء ساحرة تحت الأضواء الخافتة ولونه الداكن الذي اكتسبه بمرور السنين مع القباب التي تعلو سقفه والتي تزينها ثريات نحاسية نفيسة.

الحمامات التقليدية في لبنان أصبحت اليوم مزارا سياحيا، يقبل عليه الخليجيون والأوربيون

ولحمام العبد ثلاثة مداخل تطل على ثلاثة أسواق هي سوق الصاغة، سوق الكندرجية وسوق البازركان. ويشكل البهو الرئيسي مكانا جميلا يستريح فيه المستحم على الأريكة. يقول المشرف على العمل داخل الحمام ويدعى مصطفى، إنه “لم يطرأ أي تعديل على طرق الاستحمام، كما أننا لا نستعمل الزيوت العطرية أو الأقنعة وغيرها، كنا نستعمل فقط طين البحر الميت المغذي للبشرة”.

ويضيف، أن “للحمام زبائنه الخاصين، وهناك من يأتي بصورة دورية، مرة كل أسبوع”، مضيفا أن في رمضان تنظم حفلات العزف والغناء الشرقي حتى موعد السحور، ويساهم ذلك في جذب الكثير من الزبائن الذين يحبون أجواء الحمام القديمة.

تقاليد أخرى مازال يحتفظ بها شباب طرابلس الذين يأتون إلى الحمام مع صديقهم العريس، إذ يجتمعون حوله يفركون له جسمه وسط أجواء الغناء ويحتفلون به قبل زفافه.

ويعمل في حمامات بيرقدار في بيروت وطرابلس عمال سوريون من الذين تمرّسوا على العمل في بلادهم، يقول أبو زاهي الذي يعمل في التكييس إنه يمتلك خبرة خمس وثلاثين سنة في هذا المجال، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المدلّك زيدان الذي تعلم التدليك في حلب على يد مختص.

ولا يحصل المكيس على أجرة من صاحب الحمام ويعتمد دخله على إكراميات الزبائن، لذلك يتأثر دخلهم مع تراجع مرتادي الحمامات الشعبية وقد اختار بعضهم التحول غلى أعمال يومية أخرى.

تقاليد نتوارثها

من عالم ألف ليلة وليلة
من عالم ألف ليلة وليلة

في صيدا توارث أصحاب حمام الورد العام التقليدي المبنى جيلا بعد جيل إلى أن أصبح الآن مملوكا لمصطفى قطيش الذي يحرص على الحفاظ عليه كما هو للأجيال القادمة، على الرغم من أن زيارة الحمامات التقليدية أصبحت الآن ترفا. واستثمر قطيش نحو 40 ألف دولار في مشروع ترميم وتجديد الحمام موقنا بأنه استثمار مُجد لاسيما مع اهتمام الأجيال الأصغر سنا بالحمامات القديمة.

وقال مصطفى قطيش “حتى لا أُضيع تعب أبي، حاولت قدر المستطاع على أن أحافظ على الحمام بطابعه القديم”، مشيرا إلى رغبته في الحفاظ على الحمام كما هو من أجل الأجيال القادمة، مضيفا “الجيل الجديد، يريد أن يعرف كيف كانت أجواء حياة آبائهم وأجدادهم، فحين يسمعون الكبار يقولون، كنا نذهب إلى حمام الشيخ، ونذهب إلى حمام الورد في الأعياد، وذهبنا إلى حمام الزقليط، أو حمام السبع بنايات مع رفاقنا من الحارة هناك، يدغدغهم الشوق لزيارة هذه الحمامات التي مازال منها حمام الشيخ وحمام الورد”.

ولا يزال حمام الشيخ مفتوحا ويستقبل رواده بينما تخضع حمامات الورد لأعمال ترميم وتجديد على أمل أن يُعاد للعمل في غضون شهر. ويتذكر صياد السمك نبيه بوجي (70 عاما) أنه كان يتوجه إلى حمام عام نسائي مع أمه عندما كان طفلا، وكانت النسوة يمازحن أمه في جو من الضحك والغمز، بأنه كبر وصار عليه أن يذهب مع الرجال إلى الحمام..

ويتردد بوجي الآن على حمام الرجال مع أصدقائه من وقت إلى آخر حيث يقضون أوقاتا طويلة معا، ويصف الصياد المُسن الحمامات بأنها تاريخية، قائلا، “هذه الحمامات من التاريخ وكان أغلب الناس يترددون عليها خاصة، من يشتكي من تعب العمل ووجع الرأس، وأوجاع الرقبة والظهر، وتكلس في المفاصل والعظام”. ومنذ 17 عاما يعمل السوري عدنان في الحمامات التقليدية بصيدا ويحفظ تماما الخطوات اللازمة لخدمة العملاء بشكل جيد.

الحمامات التي كانت منتشرة في كل حارة وسوق، أصبحت اليوم ترفا بعد أن كانت حاجة ملحة في الماضي لعدم توفر المياه في كل البيوت

قال عدنان الذي يعمل الآن في حمام الشيخ، “الزبائن هنا من كل الأعمار وخاصة من الشباب الذين يأتون مجموعات ليستحموا في أجواء صاخبة؛ غناء وطبلة ونرجيلة، يقضون أجواء منعشة، فترى هذا يطلب شايا والآخر يفضل الزهورات، هم في الحقيقة يبعثون الحركة في الحمام، فمثل هذه الأجواء التي كانت في الحمامات التقليدية مازال هناك من يحن إليها”.

ويوضح عدنان أن تجربة الحمام التقليدي تبدأ بالجلوس على البلاط الساخن بحيث تسترخي جميع العضلات، ثم يتم تكييس أو فرك جسم المستحم لإزالة الخلايا الميتة وتلي ذلك مرحلة التدليك.

وأضاف عدنان أن العملاء يلفون أجسادهم في مناشف خاصة ويغادرون غرف البخار لتناول الطعام أو تدخين الشيشة وشرب الشاي. وقال زائر لأحد الحمامات القديمة يدعى يونس سلوم “أرتاد الحمام التقليدي من وقت لآخر، أحن إلى هذه الأجواء القديمة، جميل أن نأتي لنتسلى في هذه الأجواء التراثية، رغم أن الحمامات التقليدية قلّت وأصبحت تعد على أصابع اليد”.

ويوضح أثري من صيدا يدعى عمر حيدر أن إنشاء معظم الحمامات التقليدية في لبنان يعود إلى القرن السادس عشر أو أوائل القرن العشرين. وحتى في حالة “حمام الورد” الأحدث نسبيا، والذي يعود إلى القرن الثامن عشر، فإن هندسته المعمارية الرائعة تشهد على العصور القديمة. ويتميز المبنى بمداخل مقوسة وجدران حجرية وسقف على شكل قبة مع فتحات مغطاة بزجاج ملون لمرور الضوء.

ويرى زوار تلك الحمامات أنه من الضروري الحفاظ عليها كتراث يستحق الرعاية. ومن هؤلاء زائر يدعى شربل كرم الذي قال “صيدا سوق أثري قديم، لا بد أن نحافظ عليه، فيجب أن نعرف أن هذه المعالم القديمة والأجواء التراثية ليست كما يعتقد البعض، بل هي شيء من هويتنا التي لا بد أن نتمسك بها”.

20