الحمامات التونسية تحول شوارعها إلى ساحة فنون متوسطية

بعيدا عن ثقافة الصالونات والجدران المغلقة تقيم جمعية “آرت أتديود” في الفترة الممتدة بين الـ14 والعشرين من مايو الجاري الدورة الرابعة للأيام المتوسطية للفنون البصرية بمدينة الحمامات التونسية، في التحام استثنائي للفنون التشكيلية بالجماهير العريضة في الأسواق والشوارع والشواطئ أيضا.
الأربعاء 2017/05/17
لوحة للأميركية سوزان واتسون

الحمامات (تونس) – تتواصل حتى العشرين من مايو الجاري بمدينة الحمامات التونسية (60 كلم شمال شرق تونس العاصمة) فعاليات الدورة الرابعة من الأيام المتوسطية للفنون البصرية، التي دأبت على تنظيمها كل ربيع جمعية “آرت أتديود” التونسية بالاشتراك مع المركز الثقافي الدولي بالحمامات وبدعم من وزارة الشؤون الثقافية التونسية في انفتاح للفنون البصرية على الفضاءات العامة، مما يفعّل علاقة مباشرة بين عشاق الفنون البصرية والجماهير بعيدا عن جدران الغاليريهات المغلقة.

ويشارك في الدورة الحالية التي انطلقت في الرابع عشر من مايو الجاري وتتواصل على امتداد أسبوع، تحت شعار “على إيقاع الوطن القبلي وصورة الحمامات”، خمسون فنانا يمثلون 23 بلدا متوسطيا من بينها إسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومصر وفلسطين والجزائر وتونس البلد المنظم، مع انفتاح على بلدان أخرى خارج الفضاء المتوسطي كالهند والعراق والسعودية وصربيا ورومانيا والولايات المتحدة الأميركية وكوريا الجنوبية، علاوة على مشاركات أفريقية من بوركينا فاسو وساحل العاج والتوغو.

وأكد مدير التظاهرة ومدير جمعية “آرت أتديود” الفنان التشكيلي التونسي علي البطروني لـ”العرب” أن الهدف من الأيام هو إحياء الفضاء العام عبر اقتحام الفن والجمال للفضاءات العمومية، حيث يقدم الفنانون المشاركون أعمالهم الفنية في الأماكن العامة في تماس مباشر مع الجماهير العريضة في الساحات الكبرى لمدينتي الحمامات ونابل.

وبرمجت الأيام في دورتها الحالية زيارات إلى قرى متاخمة لمدينة الحمامات كالهوارية وجزيرتي زمبرة وزمبرتة، مع إقامة ورشات مشتركة بين الفنانين المشاركين، فضلا عن حوارات ونقاش حول مستقبل الفنون لتكون التظاهرة كما يقول مؤسسها البطروني “فرصة للتلاقي والارتقاء بالفن،

خاصة وأنها جمعت هذا العام بلدانا أخرى من خارج الحوض المتوسطي في تبادل للخبرات والتجارب والمشاغل الإنسانية عامة”.

ويؤكد الفنان العاجي سليمان كوناتي المشارك عبر لوحة “دون عنوان” هذا التمازج الحاصل في الألوان الحارة ونظيرتها الباردة المستلهمة من الضوء المتوسطي باذخ الزرقة، مُبرزا تماهيا لونيا بين أحمر جنوبي حار وأزرق متوسطي هادر، كان في ماض غير بعيد مُنشِئ الحضارات وهمزة وصل بين الثقافات التي فرّقت بينها الحدود الواهية، وما الأجساد الموزّعة على فضاء القماشة، والتي تتشابك حينا وتتنافر أحيانا أخرى، إلاّ دليل على هذا الصراع الحادث في السيرورة الإنسانية بأياد لا إنسانية.

وغير بعيد عن هذا الحوار اللوني والعرقي بين شمال رغيد وجنوب مأزوم، الذي أتاه كوناتي في لوحته، تشكّل النحّاتة الصربية بيترا ميهالوفيتش عبر سبّابتين في اتجاه متناظر تمثالا من البرنز، يحكي هذا السُباب والتراشق بالاتهامات بين ساعدين كان الأجدر بهما رتق الفتق الحاصل بين عالميهما بالبناء والتشييد، فحلّ الوعيد هادما لكل تواصل ممكن بينهما.

ويتكشّف هذا التنافر أكثر بين الحامل والمحمول، في تراجيديا أزلية بين الإنسان والطبيعة، أي بين الحامل الذي أتى كرويّا على شاكلة الأرض، والمحمول الذي تجسّد في شكل سبّابتين تشيران إلى “الأنت” و”الأنا”، في تنافر مقيت، فلا “الأنا” تحمّل “الآخر” ولا “الآخر” تقبّل ضدّه، لتحمل عنّا الأرض وتتحمّل أيضا كبْر غضبنا.

وتبعا لما جسّدته بعض اللوحات والمنحوتات من نفور للإنسانية المتخبّطة في فردانيّتها، تعتبر تنصيبة “البحر لنا” التي يعمل على إنجازها الفنان التشكيلي الإيطالي ميمو (أصيل سيسيليا) الحدث الأهم لهذه الدورة، والتي من المزمع أن تقام على شاطئ نابل، حيث يقول البطروني “عنوان التنصيبة يشير إلى أننا نشترك في البحر مع الآخر، وللتنصيبة مثيل في مارتشيلا بباليرمو الإيطالية، ما يقيم الصلة بين شمال المتوسط وجنوبه عبر هذا التمثال الذي يجسّر التواصل بين الحضارات والثقافات”.

وتحتفي الأيام أيضا بالكوريغرافيا كشكل فني بصري يتشكّل من جديد مع كل عرض مباشر، ومن هناك تقدّم كل من الفرنسية أبولين دي فازيو ومواطنتها ليا ريفاز عروضا كوريغرافية ترسم بالحركة لوحات فنية تلغي حدود الكلمات لينطق الجسد لغته العالمية القادرة على التعبير بصمت.

وحمل شعار الدورة التأسيسية للأيام الذي أقيم سنة 2014 عنوان “خارج الجدران، خارج الحدود”، وقد شاركت في الدورة حينها 10 بلدان متوسطية، لتتجاوز التظاهرة فضاءها المتوسطي مع تعاقب الدورات لتشمل بلدانا أخرى فرّقت بينها الحدود واللغات لتجمع بينها زرقة بحر المتوسط، مهد الحضارات.

16