الحمامات العامة في إيران، معالم تركية في طريقها إلى الاندثار

الاثنين 2015/04/06
قلة من الإيرانيين مازالت ترتاد الحمامات العامة، بعد أن ترهلت عمارتها بسبب الإهمال

تبريز (إيران) - للحمّامات العامّة في إيران تاريخ عريق، تتّسم بعمارتها المتأثّرة بالحضارة العثمانيّة، من قباب وجدران منحنية، وأحواض تتوسّطها، ومساطب للجلوس والتدليك عليها، غير أنّ تطوّر الوسائل الحديثة للراحة والاستحمام وغزوها لمعظم المنازل في مختلف أنحاء الجمهورية الإسلامية، جعلتها تسير شيئا فشيئا نحو الاندثار.

تقبل مجموعة من الرجال، في حمّام النظافة العام بمدينة تبريز الإيرانية، على الاستحمام في وسط مُشبع بالبخار، يجلسون هنا أو هناك، بين حضرة المدلكين المتوارثين لمهنة الغسل والتدليك منذ مئات السنين.

ومع أنّ الحمّامات العامّة، التي تتّخذ الاسم نفسه لـ”الحمّام” باللغة الفارسية، لا تزال محطّ إقبال المستحمّين من ضعاف الحال، فإنّ الاهتمام بها وبعمارتها يشهد تراجعا مستمرّا.

تحافظ الحمّامات العامّة الشهيرة في إيران على الطراز التركي المتعارف عليه في مثل هذه الحمّامات في مختلف البلدان التي عرفت تأثيرا مباشرا للحضارة العثمانيّة، فهي تضمّ مقصورات في جوانبها الدائريّة، أي غرفا مرتفعة عن الطبقة الأرضيّة ومفتوحة على البهو الواسع المتوسّط للحمّام، وتعلوها جدران منحنية، وقباب خفيفة، ومساطب يتخذها المدلكون مجالس لزبائنهم.

ولتأثير العثمانيين في عمارة الحمامات في إيران وخاصّة في مدينة تبريز تاريخ وقصّة مرتبطين بالصراع المذهبي والعسكري بين الدولتين الصفوية والعثمانية.

البلاط الأبيض يزين حمامات تبريز، على غرار الحمام التركي، حيث تترامى في بهوها أحواض مخصصة للاستحمام الذاتي

يُذكر أنّ الأتراك، بقيادة السلطان سليم الأوّل، كانوا قد انتصروا في العام 1514 ميلادي على الفرس الذين كان يتزعمهم آنذاك الشاه إسماعيل الصفوي، حيث توغّل الجيش العثماني بعد معركة صحراء غالديران حتى وصل إلى مدينة تبريز الإيرانية التي يُشكِّلُ التُرك الأذريون الأغلبيَّة الساحقة من سكَّانها.

كما عاد العثمانيَّون إلى ضمّ تبريز لدولتهم بلا مقاومة، في أواسط القرن الثامن عشر، قبل أن يتنازلوا عنها بمقتضى معاهدة أبرموها مع الدولة الصفوية. ولا شكّ أنّ هذا التمازج العرقي والمدّ والزجر الحضاري قد كان له كبير الأثر، سواء على العمارة أو السلوك الاجتماعي للإيرانيين.

وعلى غرار الحمام التركي، يُزين البلاط الأبيض البسيط حمّامات مدينة تبريز، وتترامى في بهوها أحواض مخصّصة للاستحمام الذاتي، تتدفّق فيها المياه الساخنة، ويلفّ وسط الحمّام ما يُشبه القناطر الصغيرة المرتسمة للجلوس والاستحمام فوقها.

الصراع بين الترك والفرس انعكس على عمارة الحمامات

وتعود بعض الحمّامات العامّة الصامدة إلى غاية اليوم، في إيران، إلى عدّة قرون خلت من الزمن. ولكن التوجه إليها يشهد تقلصا ملحوظا، حيث سمحت وسائل الراحة الحديثة في انتشار بيوت الاستحمام في معظم المنازل في جميع أنحاء الجمهورية الإسلامية.

ومع ذلك لا تزال بعض الحمامات موجودة في الأحياء الشعبيّة القديمة بالخصوص، ويقصدها في الغالب العمال اليوميون والعابرون لتلك المناطق من المسافرين.

يقول مهدي سجادي، رئيس اتحاد أصحاب الحمّامات في طهران إنّه “في الوقت الحاضر، هناك فقط ثلاثة أو أربعة حمامات عامّة في طهران” بأسرها.

وكانت الحمامات، في الأيّام الخوالي، أكثر من مجرّد مكان للتنظيف والاستحمام والحلاقة والتدليك، حيث يقوم المدلك باستخدام قفاز لفرك ظهر الزبون ويديه ورجليه.

وقد كان الناس يتجمّعون بعد انتهائهم من الاغتسال في الهواء الرطب والغرف المفروشة بالسجّاد لمناقشة الأحداث الجارية وتبادل الأفكار.. كان الحمّام العام بمثابة تجمّع للناس من كلّ الفئات، يُقبلون عليه رغبة في النظافة والراحة، ولكن أيضا لتداول آخر ما يُستجدّ في المدينة من أحداث.

غلام علي أميريان أمضى أربعين عاما، من عقوده السبعة، في العمل في حمّام عامّ يعود إنشاؤه إلى نحو 850 عاما، حسب ما يرويه بين الحين والآخر لزوّاره وزبائنه، أمّا اليوم فهو يخشى مثل غيره من أصحاب الحمامات، أن يتبدّد الحمّام أصلا مثل تبدّد البخار في سماء أحواض المياه الساخنة.

كانت الحمامات أكثر من مكان للاستحمام، إذ كان الناس يتجمعون بعد انتهائهم من الاغتسال لمناقشة الأحداث

يقول أميران إنّه “منذ نحو 35 عاما، قبل الثورة الإسلاميّة، كان لدينا الكثير من الزبائن، وفي الساعة الرابعة صباحا، عندما آتي لفتح الحمّام، كان الزبائن يصطفّون في طابور جريًا نحو الاغتسال، وكان لدينا خمسة أشخاص يعملون هنا، ولدينا أكثر من خمسين زبونا في اليوم، أما اليوم فلدينا معدّل ثلاثة زبائن يوميا”.

المطالبة بإنقاذ الحمّامات العامّة من مصير الاندثار التّام يمثل الشعار المشترك بين أصحاب الحمّامات العامّة، ويدفع البعض باتّجاه استثمار ما تزخر به من معمار ذي خصوصيّة تراثية عريقة لجعلها معالم سياحيّة كفيلة بأن تبثّ بها نفسا جديدا يُعيدها إلى الحياة، بعد أن اقتربت من الاندثار والزوال.

في هذا السياق، يقترح سجادي أن تحوّل الحكومة الحمّامات إلى مناطق للجذب السياحي، من خلال منح أصحاب الحمّامات قروضا بفوائد منخفضة، تسمح بتجديدها من الداخل بعد أن أصبحت مترهّلة، ولكن أصوات سجادي وأمثاله ذهبت إلى حدّ الآن أدراج الرياح، فلا تحرّك يُذكر لإنقاذ الحمّامات العامّة في إيران من التلاشي البطيء، نظرا للانشغال بالمتطلّبات الاقتصاديّة الأخرى في البلاد، وتناسي تراث الأجداد.

20