الحمام المغربي حضارة قديمة بطقوس نسائية وعادات لم تتغير

تغلغلت ثقافة الاستحمام في الحمامات التقليدية في الثقافة الشعبية للمغاربة منذ زمن بعيد، ومازال الحمام التقليدي يحظى بأهمية كبيرة في الحياة اليومية للمغاربة رجالا ونساء، حيث تحرص أعداد كبيرة من المغربيات على ارتياد الحمامات الشعبية على الأقل مرة في الأسبوع.
الاثنين 2016/02/15
لم تستطع الحمامات العصرية خلع الثوب التقليدي

“للاّ زينة وزادها نور الحمام” هو مثل شعبي قديم يؤكد المكانة الخاصة التي يحظى بها الحمام التقليدي في الموروث الثقافي المغربي، ويعكس التغيير الذي يطرأ على جسد المرأة بعد زيارة الحمام، من نظافة وراحة وانتعاش، ويشير إلى أن المرأة في التصور الشعبي المغربي تزداد جمالا ونورا عندما تخرج من الحمام.

للحمام الشعبي حضور متميز في حياة المرأة المغربية، فهو مرتبط بعادات مختلفة باختلاف المناسبات؛ فهو مكان تسجل فيه لحظات انتقالها من مرحلة إلى أخرى في حياتها، فيه تتعلم القواعد الأساسية للنظافة وأسرار الجمال وهي طفلة، وفيه يتم الاحتفال بها حينما تظهر عليها علامات البلوغ، وفيه تستعد وتتجمل قبل ليلة عرسها، ثم تعود إليه في مناسبة أخرى حينما تصبح أما.

كما تختلف طقوس الحمام باختلاف المناسبات الخاصة بالمرأة، فمثلا في حفل الزفاف يتم كراء الحمام من طرف أهل العروس، فيخضع فضاء الحمام لطقوس متعددة، حيث يتم إشعال الشموع في غرفه، وتعطير القاعات بالعطور والبخور التقليدي، ويطلى شعر العروس بزيوت ومواد تجميل وتصفيف تقليدية، وبعد الاستحمام تخرج العروس وسط النساء من العائلة والجارات والصديقات مصحوبة بالزغاريد والأهازيج الشعبية الخاصة بالمناسبة.

أما حمام الأم حديثة الولادة أو “النفيسة” كما تسمى محليا فهو عادة تقام في اليوم السابع بعد الولادة، حيث تذهب النفساء إلى الحمام، ويحتفل بسلامتها ومولودها بإشعال الشموع تعبيرا عن الفرح والأمل في غد جديد لأم جديدة، ويوضع البخور للتعطير وحمايتها من الحسد. ويشترط ألا تقوم النفساء بأي عمل أثناء الاستحمام فتعامل كملكة، ويتم شد بطنها بحزام تقوم بربطه نساء مختصات في طرقه لاعتقادهن بأنه يخفف عليها آلام الظهر والولادة والبطن، وهن يتصورن أنه يمكنها من استئناف حياتها العادية بعد الولادة بلياقة بدنية أفضل.

في هذا السياق تقول أمي يامنة وهي عجوز في عقدها السابع في حديث مع “العرب” “كنا نخصص للحمام يوما كاملا وهذا اليوم يكون في الغالب الخميس، وذلك لاستقبال يوم الجمعة بهيئة نظيفة استعدادا للصلاة، وكنا نحرص نحن الجارات على الاستيقاظ باكرا ونعمل على طلي الحناء الممزوجة مع القرنفل والريحان والسنبل والخزامة على الشعر، وما تبقى من الحناء كنا نمرره على وجوهنا وأيدينا، وكنا نتفق على الخروج إلى الحمام بعد الغداء ونرجع عند المغرب”.

وأضافت أمي يامنة مبتسمة: المرأة في فترة الستينات كانت تعيش تحت ضغط الزوج وأم الزوج، ولم تكن تخرج إلا إلى الحمام، ولهذا كنا نعتبر الوقت في الحمام فترة للراحة والترفيه ولتبادل أطراف الحديث حيث تشتكي كل واحدة منا همومها للأخريات، حتى أن الحمام كان لنا فرصة للتباهي في ما بيننا بالحلي والمجوهرات والملابس الجديدة، ففي ذلك الوقت كانت المرأة في كل زيارة لها إلى الحمام عليها أن ترتدي قميصا حريريا مطرزا من صنع يديها. وأشارت أمي يامنة إلى أن المرأة وقتها كانت تحرص على أخذ بناتها المقبلات على الزواج لعرضهن أمام صديقاتها وجاراتها كفرصة لترشيحهن للزواج.

الحمام التقليدي يعتبر مرفقا من المرافق الاجتماعية، وهو جزء من مورفولوجيا المدن المغربية العتيقة، بهندسة معمارية قديمة

ويتكون الحمام المغربي التقليدي من ثلاث قاعات كبيرة متداخلة في ما بينها، تتدرج فيها الحرارة من المتوسطة إلى العالية، وفي كل قاعة توجد صنابير مياه نحاسية باردة وساخنة. وفي القاعة الأخيرة، حيث ترتفع الحرارة إلى أقصى درجاتها، يوجد حوض مائي متوسط وهو ما يسمى بـ “البرمة” التي تخزن الماء الساخن.

ويعتبر الحمام التقليدي مرفقا من المرافق الاجتماعية، وهو جزء من مورفولوجية المدن المغربية العتيقة، بهندسة معمارية قديمة. كما لا يخلو حي من الأحياء بالمغرب من حمام، يشيد غالبا بالقرب من الأسواق الشعبية والمساجد. بالإضافة إلى الحمامات الشعبية التي تقدم خدماتها بكلفة تتراوح ما بين 12 و13 درهما، توجد الحمامات العصرية التي تقدم خدمات من الطراز الرفيع تتمثل في “الساونة” و”المساج” والتدليك” باستعمال بعض المواد الطبية الغالية وباهظة الثمن وتتراوح كلفتها ما بين 30 و50 درهما.

وبهذا استطاع الحمام المغربي أن يصل صيته إلى خارج الحدود، واستثمرت السيدات المختصات في التزيين والموضة إعجاب كل من زار المغرب بالحمام التقليدي عبلر إقامة مراكز صحية وتجميلية متكاملة تلبي حاجة الباحثين عن الاسترخاء.

ويعمل في الحمام مدلكون أو ما يسمون لدى المغاربة بـ “الكسالة” يستعين بهم الزبون حسب رغبته لمساعدته في جميع مراحل الاستحمام، حيث يكون المدلك تحت تصرف الزبون من وقت دخوله الحمام حتى الخروج منه، أو قد يقتصر لجوء الزبون إلى خدمات المدلك على فترة التدليك وإزالة خلايا الجسم الميتة.

وتتكون عدة الحمام التي يعتمدها المغاربة في الاغتسال من الصابون الأسود الذي يطلق عليه المغاربة “الصابون البلدي”، كما يعتمد المغاربة على مواد طبيعية لغسل الشعر تسمى بـ”الغاسول” وهو طمي أسود يعطي نعومة ونظافة للشعر والبشرة، بعد ذلك تأتي أهم مرحلة في الحمام المغربي والتي تسمى بمرحلة “التكسال” باستخدام قطعة خشنة تسمى “الكيس”.

أما عند الخروج من الحمام، فالمرأة المغربية تستعمل مناشف بيضاء مزركشة بـ”الدانتيل الحريري” كما تضع على رأسها شالات ومناديل مطرزة، وترتدي أقمصة حريرية، وتستعمل عطر الورد أو الخزامة، ومنها جاء المثل المغربي الشعبي “دخول الحمام ليس كخروجه”.

قالت حياة الرجواني شابة عشرينية لـ”العرب”: إن الحمام التقليدي ارتبط ارتباطا وطيدا بالذاكرة الشعبية للمغاربة، وبالرغم من ظروف العمل ومشاغل الحياة، إلا أن التردد على الحمام على الأقل مرة في نهاية كل أسبوع، يعتبر فرصة للاسترخاء والتخلص من التعب. وأضافت أن “طقوس الحمام تغيرت قليلا من جيل إلى آخر مع ابتكار مواد وتقنيات جديدة للاستحمام، لكننا مازلنا نحافظ على تقنيات أساسية لجداتنا وأمهاتنا، لأسباب صحية وجمالية، من خلال حرصنا على الوصفات الطبيعية للاسترخاء وتصفيف الشعر، كالصابون الأسود والغاسول”. مشيرة إلى أن سر جمال المرأة المغربية يكمن في الاستحمام في الحمام الشعبي.

12