الحماية المفرطة من العائلة تزيد خطر تعرض الأبناء للتنمر

ارتكاب الأخطاء والتعلم منها ضروريان لبناء الثقة في النفس، والتبعية الدائمة للأبوين تنمي سوء تقدير الذات.
الخميس 2019/01/10
الحماية المفرطة تنشئ أطفالا حساسين تجاه الضغط النفسي

يفرط الكثير من العائلات في حماية أبنائهم، منذ ولادتهم حتى تقدمهم في السن نسبيا، وهم يعتقدون أن تلك هي وصفة الأبوين المثاليين وأنهما يتوخيان أفضل السبل لتربية طفل متوازن وبعيد عن المخاطر، بجميع أشكالها. لكن أخصائيين نفسيين حذروا من التأثيرات السلبية لاعتماد الطفل على وجود أبويه وأخذهما بزمام المبادرة، باستمرار.

باريس - إحساس الأبناء بالأمان والطمأنينة عامل أساسي لاستقرارهم النفسي، لكن إذا تحوّل هذا الإحساس إلى “سلبية” واتكال تامّ على الوالدين ينشأ لديهم، شيئا فشيئا، شعور بسوء تقدير الذات ويجعلهم معرضين لتنمر أقرانهم وقد يتسبب في عزلتهم وميلهم إلى الانطوائية، مع مرور الوقت.

يقول الطبيب الفرنسي ستيفان كليرت، مختص في طب نفس الأطفال، “حماية الطفل تصبح مضرّة عندما تعيق تطوره” وأوضح أنه يجب على كل والد تعلم حماية الطفل من أخطار بيئته، لكن من المهم القيام بذلك دون الإفراط في هذه الحماية.

وأورد تقرير، نشر بالموقع الكندي (كانال في)، أن ذكاء الطفل ليس متطورا كفاية لإدراك مفهوم الخطر وتدخل الأبوين لمنع المخاطر لا ينبغي أن يكون حاجزا لتعليمهم سرعة ردة الفعل ومهارة تفادي المواقف الخطرة. كما أوضح جيرمان دوكلوس، طبيب نفسي وجراح عظام، أن “حماية الطفل أو فعل أشياء في مكانه لا يشجع على نموه ويبقيه في حالة من الاعتماد. هذا الموقف يقوّض احترام الذات لدى الطفل الذي يرى أنه لا يقدر على فعل الأشياء بنفسه”.

يقول ديتر وولك، أستاذ علم النفس التربوي في كلية الطب بجامعة ورويك في المملكة المتحدة، “الحماية المفرطة من قبل العائلة يمكنها أن تزيد من خطر تعرّض الطفل للتنمّر”. ووفقا لدراسة جامعة عن إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم، أجرى الباحثون 70 دراسة على أكثر من 200 ألف طفل.

وأكدت النتائج أن الحماية الزائدة من قبل الوالدين قد يكون لها أثر عكسي ويمكن للوالدين اللذين يحاولان جاهدين حماية أطفالهم من الأذى قد يتسببان فعليًّا في أذيتهم. ويفسر وولك أن الهدف من التربية هو مساعدة الأطفال على اكتساب المهارات والتحكم في الذات والاعتماد على النفس. “يحتاج الأطفال للتعامل مع أشكال مختلفة من التحديات في جرعات خفيفة – مثل اللقاحات التي تساعد الجسم على محاربة العدوى عن طريق تكوين الأجسام المضادة. وبالمثل، يحتاج الأطفال لخوض بعض الصراعات لمعرفة كيفية التعامل مع المشكلات الكبيرة”.

ستيفان كليرت، مختص في طب نفس الأطفال: "حماية الطفل تصبح مضرة عندما تعيق تطوره"
ستيفان كليرت، مختص في طب نفس الأطفال: "حماية الطفل تصبح مضرة عندما تعيق تطوره"

وقالت الباحثة إيفا ميليت في كتابها “الأبوة المفرطة”، “تحول الأطفال، في الآلاف من المنازل العصرية، إلى مركز اهتمام العائلة، أو المركز الذي يدور بقية الناس في فلكه.. وسبب هذه الاختلالات في السلوك هو أن الأطفال لا يضطرون للخروج من شرنقتهم عند عمر الرابعة.

وبعد هذه السن، يصبحون عاجزين عن توجيه أنفسهم ذاتيا في الشارع أو إنجاز فروضهم المنزلية أو مساعدة الأبوين أو حتى الاهتمام بأنفسهم عند عدم وجود شخص كبير يهتم بهم”. وفي كثير من الأحيان، يدخل هؤلاء الأطفال في نوبة غضب عندما لا يحصلون على كل ما يريدونه أو يعجزون عن ربط خيوط أحذيتهم لأنهم اعتادوا على وجود شخص دائما بجانبهم لتحقيق رغباتهم واحتياجاتهم.

وتشدّد ميلت على أنه من غير المنطقي أن يسأل الوالدان طفلا عمره ثلاث سنوات عمّا يريد أن يتناوله في العشاء، أو عن المدرسة التي يفضل الذهاب إليها والملابس التي يريد ارتداءها. “في الحقيقة، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن العائلة ليست مؤسسة ديمقراطية، إذ يجب أن يكون فيها نوع من التسلسل الهرمي، وبعض القواعد الصارمة حتى يكون التعايش مريحا”.

وبيّنت سيلفيا ألافا، مؤلفة دراسة تحت عنوان “نريد أطفالا سعداء”، أن هناك علامات محددة ترتبط بهذا النوع من الأطفال، فهم لا يطورون مهارات حسية كافية، ويواجهون صعوبات في حل الصراعات، لأنه لطالما تكفل آباؤهم بهذا الأمر. وهؤلاء يكسبون أصدقاء ولكنهم يضطرون لبذل جهد كبير للحفاظ على الصداقة لأنهم لم يتعودوا على الأخذ والعطاء.

كما يعتبر هذا النوع من الأطفال حساسين جدا تجاه الضغط النفسي، خاصة أنه يسمح لهم في الغالب بتناول الحلوى عوضا عن الطعام المفيد، وتجنب أخذ حمام لمجرد أنهم منهمكون في اللعب. وبالتالي، يبدو جليا أن هؤلاء الأطفال لم يتعلموا كيفية مواجهة صعوبات الحياة.

كشف أخصائيون أن هؤلاء الأطفال قيل لهم، منذ نعومة أظافرهم، إنهم مميزون، لذلك أصبحوا نرجسيين. ولكنهم في الحقيقة يحملون قدرا أقل من التقدير الذاتي لأنفسهم والثقة بالنفس، وبالتالي سيتفوق عليهم أقرانهم الذين تمتعوا بحرية ارتكاب الأخطاء والتعلم منها.

وأوردت عالمة النفس، ألافا، أن “نتيجة تعود الطفل على أن (أبي وأمي يتكفلان بكل شيء)، تتمثل في أن الطفل لا يتعلم شيئا البتة. لذلك، يصبح هؤلاء الأطفال أقل اعتمادا على أنفسهم وأكثر تبعية. فضلا عن ذلك، يواجه أغلبهم صعوبة في تحمل مسؤولية أفعالهم، ولا يستطيعون اتخاذ القرارات، كما أن هناك دراسات تشير إلى أن هذا النوع من الأطفال أكثر عرضة للتنمر والمضايقة في المدرسة”.

وترى غارسيا أميلبورو، أستاذة الفلسفة والتعليم في الجامعة الإسبانية للتعلم عن بعد، أن “الحماية المفرطة لا تعد الأطفال لقبول الواقع وتحمل المعاناة النفسية والجسدية، علما بأن هذه الأمور ستحصل لا محالة في المستقبل”.

يذكر أن الصحافية لينور سكينازي من نيويورك تايمز قامت بتجربة مثيرة، حيث أعطت ابنها البالغ من العمر تسع سنوات مبلغ عشرين دولارا وخارطة لقطار الأنفاق، وطلبت منه العودة بمفرده للمنزل من الجانب الآخر من المدينة.

لاحقا، روت الصحافية هذه المغامرة في العمود المخصص لها في الصحيفة، ولكنها تعرضت لهجمة شرسة من وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي التي وصفتها بأنها “أسوأ أم في العالم”. ومع ذلك، أصرّت على هذه الفكرة وأسست حركة بعنوان “الأطفال المنطلقون”، لمكافحة الاعتقاد الشائع بأن أطفالنا يكونون في حالة خطر متواصل بسبب وجود الغرباء وإمكانية تعرضهم للاختطاف أو الجرائم، والسرقة، والفشل، والحشرات، والمجرمين أو تناولهم لغلال غير بيولوجية!

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الطفل البالغ من العمر تسع سنوات، نجح في قطع المسافة نحو المنزل.

21