"الحمساويون الجدد" يهزمون إسرائيل

النظام العربي، الذي يعيش أضعف حالاته، لا يبدو مستعدا، أو قادرا، على مقاومة أي شيء يصدر من أي أحد. نقل السفارة هي أكبر هزيمة للدبلوماسية العربية منذ عقود.
الخميس 2018/05/17
مجزرة في حق المدنيين

قبل أسبوع سقطت صواريخ كاتيوشا وقذائف في الجولان المحتل. ردّ إسرائيل كان واسعا وحاسما، واستهدف، وفقا لوزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، كل البنية التحتية العسكرية لإيران في سوريا.

الجميع يعلم أن لا أضرار حقيقية لحقت بالإسرائيليين، لكن هذه هي إسرائيل. إذا رميتَ عليها حجرا، ردّت عليك بوابل من الرصاص.

هذا حرفيا ما حصل مع متظاهرين سلميين على حدود قطاع غزة مع إسرائيل. مذبحة غزة هي درس يُظهر أنه عندما تكون ثمة إدارة في واشنطن تتصرف على أساس أنها حكومة إسرائيل المكبرة، فلا يمكن توقع شيء من الحكومة المصغرة في تل أبيب سوى هذه الوحشية والإجرام.

المشهد يلخص نفسه بشكل منطقي. صواريخ الكاتيوشا استدعت من الإسرائيليين الرد عبر غارات مكثفة نفذتها 28 طائرة مقاتلة، والحجارة التي يطلقها الفلسطينيون عبر “المقاليع” الصغيرة في أيدي الشباب والأطفال، استدعت إمطارهم بالرصاص الذي أسقط قرابة 70 قتيلا و3 آلاف جريح.

خلال الأيام الماضية شاهدنا على شاشات التلفزيون كل التناقضات الممكنة؛ إطلاق النار الحي على الأبرياء، وابتسامات عريضة على وجوه المسؤولين الذين حضروا احتفال افتتاح السفارة الأميركية في القدس المحتلة، وتنديدا دوليا واسعا وعجزا أوسع. الشيء الوحيد الذي غاب هو الأمل.

لا ألوم هؤلاء الذين لا يرون فارقا بين يومي 15 مايو 2018 و5 يونيو 1967. إذا كانت إسرائيل وضعت يدها على القدس قبل 51 عاما بشكل غير شرعي، فقد حصلت أخيرا على الشرعية أول أمس. المعادلة بسيطة ولا تحتاج أيّ عناء لتفسيرها.

لكن المشكلة الأكبر تكمن في أنه إذا كانت حرب أكتوبر 1973 قد ردت بعضا من الاعتبار للنظام العربي الذي انسحق تماما قبلها بستة أعوام، فلا أفق لفعل الشيء نفسه بعد نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

النظام العربي، الذي يعيش أضعف حالاته على الإطلاق، لا يبدو مستعدا، أو قادرا، على مقاومة أي شيء يصدر من أي أحد. نقل السفارة هو أكبر هزيمة للدبلوماسية العربية منذ عقود.

لا يجب الانخداع أيضا في النظام الدولي، خصوصا المعادلة التي تحرك الدول الأوروبية. نعم، كل ما تستطيع هذه الدول فعله هو مقاطعة حفل افتتاح السفارة. الدبلوماسية الأوروبية، التي لا تزال تعاني من انتكاسات كبرى بالتزامن مع انسحاب الولايات المتحدة من كل رابط قوي يجمعها بأوروبا، لن تغادر كرسيها المتحرك قريبا.

الأمر ليس مرتبطا بقدرة حمّام الدم على تنبيه العالم للقضية التي لم تعد أولوية على أجندته. يبدو أن هذه الاستراتيجية لا تفيد في شيء. إذا كان هذا الثمن الباهظ يعود بأي فائدة حقيقية على القضية، فالتضحية هي أقل شيء من الممكن أن يقدمه الفلسطينيون كعادتهم. لكن يبدو أن كل هذه التضحيات لم تعد تؤثر في نظام عالمي يتغير بسرعة.

صعود دونالد ترامب، ومعه تيارات اليمين المتشدد في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، غيّر كثيرا من مبادئ الغرب بشكل خاص. لم تعد صور القتلى، التي كانت كفيلة في السابق بخلق إعصار من التعاطف، قادرة على إحداث تغيير في مسار القضية بشكل عام. احتاج الأمر إلى أربعة أعوام فقط، منذ آخر حرب شنتها إسرائيل على غزة عام 2014، كي نشهد هذا التبدل في ردود الفعل والمواقف الدولية، التي باتت أكثر تحفظا واستعدادا لمسك العصا من المنتصف.

تزامن هذه المذبحة مع افتتاح السفارة الأميركية في القدس جعل المشهد يبدو وكأن رصاص الإسرائيليين انطلق من الولايات المتحدة، عابرا الأراضي المحتلة

إذا كان هذا ما سيجنيه الفلسطينيون من استراتيجية “التضحية مقابل التعاطف”، فإن المعادلة صارت خاسرة. الأفضل لهم إذن أن تظل القضية منسية، طالما أن السفارة الأميركية ستنقل إلى القدس حتما، بغض النظر عن عدد القتلى أو الجرحى.

حركة حماس، التي لا تزال تسيطر على قطاع غزة بقوة السلاح، تدرك ذلك جيدا. لكن ربما يكون الشيء الوحيد الذي تحاول الخروج به من الزخم الناتج عن خطوة ترامب هو رفع الحصار عن القطاع. ليس صحيحا أن قيادة حماس الحالية تسعى هذه المرة إلى حرب جديدة مع إسرائيل.

“الحمساويون الجدد” لا يشبهون سابقيهم في طريقة التفكير. هؤلاء يعلمون أن كل ما تريده إسرائيل هو أن ترى وسائل الإعلام العالمية صواريخ حماس تملأ سماءها، كي تعطيها شرعية لسحق القطاع بمن فيه. هذه هي اللغة الوحيدة التي تدربت إسرائيل طوال العقود الماضية على التحدث بها، ولا تعرف غيرها.

أخذت حماس، ومعها المنظمات الشبابية والنشطاء في القطاع، الإسرائيليين على حين غرة. المظاهرات السلمية والصبر الصاخب وتقديم المدنيين كي يأخذوا زمام المبادرة لغة أجنبية لا يفهم الإسرائيليون مفرداتها. لم يكن مفاجئا إذن إطلاق الرصاص عليهم بهذه الطريقة.

تزامن هذه المذبحة مع افتتاح السفارة في القدس جعل المشهد يبدو وكأن رصاص الإسرائيليين انطلق من الولايات المتحدة، عابرا الأراضي المحتلة، إلى قلب أحد الأطفال على الجانب الآخر من الحدود مع القطاع.

ترامب لا يهتم كثيرا. هذا رئيس أثبت أنه أسير لهاجس السياسة الداخلية، ورضا قاعدته الانتخابية في كل قرار يتبناه في السياسة الخارجية.

يعلم ترامب أن الكونغرس، الذي يهيمن الجمهوريون على مجلسيه، أكثر المؤسسات الأميركية تأييدا لقرار نقل السفارة إلى القدس. إذا كان نقل السفارة قد اتخذ مساره الزمني الطبيعي، لكان رفع لافتة هذه السفارة في القدس قد استغرق سنوات.

التعجيل بتحويل مبنى القنصلية إلى مقر السفارة له سبب محدد من وجهة نظر ترامب، وهو استباق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في نوفمبر المقبل. ترامب يخشى نجاح الديمقراطيين في إنهاء قبضة الجمهوريين على المجلس، ومن ثم حصاره تماما. الملف الفلسطيني الإسرائيلي هو الصورة الأوضح لطريقة تفكير الرئيس الأميركي. ليس ثمة شك اليوم في أن ضمان تصويت فلوريدا أو أوهايو في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2020، أهم كثيرا من تصويت أعضاء مجلس الأمن على اتفاقية سلام دائم ونهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

سلوك الأميركيين، الذي أخرجهم من المعادلة كوسيط وحيد، جعل عملية السلام تدخل تحولا يقوم على الفراغ الذي لا يسمح بأي حديث عن العودة للمفاوضات طالما ظل ترامب في الحكم. هذا السلوك أنهى تعويل الفلسطينيين السابق على الوقت، ورهانهم على الإدارة الأميركية المقبلة. الفلسطينيون يدركون منذ اليوم الأول لترامب في السلطة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نجح في الفوز بأذن الرئيس. انتهت حظوظ الفلسطينيين عمليا منذ ذلك الوقت.

الفراغ الدولي امتداد لفراغ مماثل على المستوى الداخلي. كل شيء فلسطيني صار منقسما. فتح تتصارع مع فتح، ومع حماس والفصائل الأخرى. إذا كانت المستوطنات تقسم الأراضي الفلسطينية جغرافيا، فالسياسيون الفلسطينيون، أنفسهم، يقسمون البلد سياسيا واجتماعيا ووجدانيا.

هذه هي الطريق الأقصر لتحقيق إسرائيل تقدما لا يمكن استعادته في المستقبل. إذا كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يعلم أن المجتمع الدولي يفضل الانقسام الفلسطيني، ومازال يصرّ على إعطاء هذا المجتمع الدولي ما يريد، فلا يلوم الفلسطينيون إلا أنفسهم.

8