الحملات الانتخابية في الإعلام تكشف فشل قاعدة المساواة في الوقت

الالتزام الصارم بالوقت يكبل الصحافي ويخلق فجوة بين الناخب والمرشح في الانتخابات التونسية.
الثلاثاء 2019/10/01
مسابقة مع الوقت

كشف ظهور المرشح للانتخابات الرئاسية التونسية قيس سعيّد في حوار مع التلفزيون التونسي مساء 26 سبتمبر عن جملة التناقضات التي يكرسها مبدأ المساواة في الوقت بين المرشحين، حيث يُصعِّب على المرشح تقديم رؤيته لإدارة البلاد في الخمس سنوات القادمة، ويضع قيودا على دور الصحافي المناط به مهمة التفاعل مع أجوبة محاوره، وهو ما يدعو إلى إجراء تعديلات على إدارة الحملة الانتخابية في تونس.

 تونس - لم يفت عددا من التونسيين مساء 26 سبتمبر، وهم يشاهدون في التلفزيون التونسي حوار المرشح للرئاسية قيس سعيّد، حرصُ الصحافي على الالتزام الصارم بالدقيقتين المحددتين للجواب حتى إن لم يكمل المرشّح حديثه أو لم يجب عن السؤال. وإن اجتهد الصحافي في الالتزام بالوقت المحدد فإن المنظومة التي وضعت قيودا لتدخّلات المرشّحين بقيت حبيسة تصور بال تركه حتى الذين جاؤوا به، فضلا عمن حاكوهم فيه.

وكان واضحا من خلال ما راج من تعليقات أن الدقيقتين لكل سؤال لم تكونا كافيتين ليجيب المرشّح عما يسأل عنه. وإذا كان لقيس سعيّد فرص كثيرة من دقيقتين في حوار واحد، فماذا عن المرشّحين للتشريعية الذين سيحكمون البلاد فعلا ولم يُعط الواحد منهم أكثر من ربع ساعة في الإذاعة والتلفزيون ليفسر للناس كيف سيحكمهم.

حان الوقت لمراجعة إدارة الحملة الانتخابية التشريعية خاصة بإعادة النظر في توزيع التدخلات القائم على المساواة في الوقت بين المرشحين، لأن الهدف ليس إرضاء المرشحين والأحزاب بل الحرص على أن يفهم الناخب قبل الاقتراع وإن لم يرض السياسيون وأحزابهم.

لقد راجعت الديمقراطيات العريقة الأنظمة التي تسير عليها الحملات الانتخابية في وسائل الإعلام في اتجاه استخدام النصوص إطارا عامّا مع تحميل الصحافيين مسؤولياتهم المهنية والأخلاقية في تصور برامجهم الإعلامية وتنفيذها. وجاءت المراجعة لأسباب منطقية بعد تكبيل الصحافيين والمرشحين بضوابط الوقت في زمن التلفزيون الواحد وزمن الاعتقاد في تأثيره في الناس تأثيرا مباشرا وزمن القانون قبل المسؤولية والأخلاقيات.

لقد وضع الأميركيون سنة 1948 قانونا يسمى “قاعدة المساواة في الوقت”، ثم تبعهم الفرنسيون عام 1965 لمّا أصدر الجنرال شارل ديغول أمرا يقضي بالشيء ذاته في الانتخابات الرئاسية التي جرت ذلك العام، بناء على وجود قناة تلفزيونية واحدة في فرنسا آنذاك. وكان الأمر مقبولا بل تطلبه المعارضة التي كانت تتهم السلطة بالتضييق عليها في الظهور في التلفزيون.

ولّى زمن التلفزيون الواحد ظهرت تلفزيونات أخرى عمومية وخاصة مما يفقد تلك الرغبة الجامحة في المساواة بين المرشحين جدواها بل منطقها أصلا

ولم يكن الأمر بديهيا عندما نقرأ تصريح وزير إعلام ديغول يقول في تلك السنة “ليس من المنطقي أن تتحدث المعارضة في وسائل الإعلام بالقدر الذي تتحدث به الحكومة، فللحكومة ما تقول لأنها مكلفة بتصريف شؤون البلاد”. كان ديغول يسعى وقتها إلى التقليل من حدة النقد والتحضير لفوزه المتوقع في الانتخابات الرئاسية.

لقد ولّى زمن التلفزيون الواحد خادم السلطة، وظهرت تلفزيونات أخرى عمومية وخاصة مما يفقد تلك الرغبة الجامحة في المساواة بين المرشحين جدواها بل منطقها أصلا. ويتصور المتمسكون بتلك “المساواة المقدسة” أن المشاهدين متعلقون بتلفزيون واحد ذاك الذي يبث تلك المداخلة الانتخابية ذات التسعين ثانية فيخافون عليهم منه.

في تونس اليوم عشرات الإذاعات والتلفزيونات يتحدث فيها المرشحون في مختلف مناطق البلاد ويشاهدها الناس دون أن تكون إحداها حكرا على أحد ولا أحد يشاهد قناة ويضرب عن البقية. والسبب نفسه دفع الأميركيين إلى التخلي منذ نحو ثلاثة عقود عن “قاعدة المساواة في الوقت”.

ولا يختلف الناخبون اليوم عن بعضهم البعض كثيرا في الاطلاع على الأخبار. لقد فهم الجميع في تونس أن الحملة الانتخابية الرئاسية جرت على الشبكات قبل أن تجري في وسائل الإعلام التقليدية. وتظهر الإحصاءات أن نحو 60 بالمئة من الأميركيين يأخذون الأخبار على الشبكات، وأن 75 بالمئة من الشبان الفرنسيين دون الخمسة وعشرين عاما يفعلون كذلك.

ومن الظروف التي جعلت الديمقراطيات تلجأ سابقا إلى المساواة في الوقت بين المرشحين الاعتقاد السائد بأن تأثير الإذاعة ثم التلفزيون تأثير مباشر وآني بل أكثر أنه يكون عل قدر الوقت الذي يتعرض فيه الناخبون إلى رسائل المرشحين، إذ يكون في تقديرهم أن حديث خمس دقائق مثلا أشد تأثيرا من آخر مدته دقيقتان.

هناك اليوم إجماع عن إفلاس تلك النظرية أثبتته نظريات كثيرة منذ أربعينات القرن الماضي ثم دعمته أخرى مثل نظرية التلقي في العقود الثلاثة الماضية. إن تأثير وسائل الإعلام معقد وهو متصل، قبل المنتج والباث، بالمتلقي الذي يفهم كما يريد حسب خلفيته وثقافته ومعتقداته وميوله. لقد قال إمبرتو إيكو في بداية الستينات إن “القارئ في القصة”، وقبله الجاحظ بأحد عشر قرنا “والكتاب لا ينطق إلا بما تهوى”.

إن في التمسك بالمساواة في الوقت تعطيلا لعمل الصحافيين الذين يُجبرون أحيانا كثيرة على قطع الكلام عن المرشح عندما ينبض مقياس الوقت، وهو يهم بقول أمر مهم. ويترتب على ذلك إهدار معان وتبديد معطيات كان سينطق بها المرشح. وفيه تعطيل لفهم المتلقين إذا كان قول المرشح يقتضي سؤالا آخر يسأله الصحافي للتوضيح.

وفيه إنكار لمسؤولية الصحافي في أداء عمله وللأخلاقيات في تنظيم مهنة الصحافة، وبسبب ذلك تركتها الديمقراطيات تحت ضغط الصحافيين. وقد تركته فرنسا في الانتخابات التشريعية وأبقت عليه في الرئاسية لاتساع المجال أمام عدد قليل من المرشحين.

Thumbnail

تُركت المساواة في بلدان كثيرة أصبحت تعمل بالعدل منها بلجيكا وبريطانيا وأخرى “بالفوضى المنظمة” مثل الولايات المتحدة الأميركية. ويبدو أن النظام الأمثل هو النظام البلجيكي الذي يوازن بين القانون وأخلاقيات الصحافة. وهو تمشّ يرفض أن تكون سطوة القانون وحدها هي التي تنظم الحملات الانتخابية في وسائل الإعلام.لقد ترك المشرع البلجيكي الحرية كاملة للمجلس الأعلى السمعي البصري لتنظيم الإعلام زمن الانتخابات، كما هو معمول به في تونس، غير أن المجلس البلجيكي لم يضبط نصوصا صارمة تكبل الإذاعات والتلفزيونات ببرامج محددة ولا بمدد محددة ولم يتدخل في وضع الأسئلة ولا في قرعة ولا شيء من ذلك.

ينشر المجلس المكلف بالتعديل قبل كل انتخابات “رأيا” يذكر فيه بالقانون. وقد جاء في الرأي الأخير بتاريخ 31 يناير 2018 “تخضع البرامج الإعلامية في الحملة الانتخابية لواجب الحياد، وينبغي أن تكون متوازنة وممثلة للاتجاهات الإيديولوجية والفلسفية والسياسية المختلفة”، والشيء ذاته في شأن الحوارات إذ يفرض المجلس “السهر على صيغتها المتوازنة والممثلة” لمختلف الاتجاهات.

ويطلب المجلس من المؤسسات الإعلامية إعداد شبكة برامج مفصلة للحملة الانتخابية تنشرها على مواقعها وتمده بنسخة منها. إن في تلك الممارسة احتراما لعمل الصحافيين ومسؤوليتهم ومسؤولية المؤسسات الإعلامية. ويذكر الرأي، الصادر في يناير 2018، أن المجلس لم يتلقّ أي شكوى من أي مرشح بأي مؤسسة إعلامية في انتخابات 2014.

ولا يتصل الأمر باحترام المهنية والأخلاقيات فقط بل باحترام المتلقين عموما والناخبين خصوصا. فما الفائدة من حملة تشريعية يُعطى فيها رئيس قائمة دقائق معدودة في الإذاعة ليحدث الناس عن برنامج خمس سنوات من الحكم في نظام يخنقه البرلمان بأيدي الأحزاب؟ وما الفائدة من أسئلة معدة سلفا يلقيها الصحافي على المرشح تاركا المجال له رحبا على ضيقه ليقول ما يشاء؟

إن إدارة حملة انتخابية تشريعية، في الإذاعة والتلفزيون، بفسح المجال للمرشح يقول ما يشاء لا تفرق بين مرشح مقْدم على أول انتخابات في حياته وآخر مارس السلطة التشريعية مدة دورتين حملة لا عدل فيها ولا مساواة. ففي سياق الغضب الذي يتملك الناخب التونسي اليوم كان من الأفضل والأجدى التركيز على المرشحين، الذين وعدوا التونسيين بالجنة ولم يذيقوهم إلا العلقم.

الحملة الانتخابية فرصة لعرض برامج المرشحين الجدد، ولكنها ليست سوقا لإعادة تسويق وعود لم يلتزم بها أصحابها. أهم ما في الحملة في الوضع التونسي هي مساءلة من وعد ولم ينجز. تلك مسألة لا تُدرك بأسئلة معدة سلفا ولا بدقيقتين يجتر فيها المرشحون نص سؤال فضفاض. هي مسائل لا يقدر عليها مقياس الوقت في الأستوديو الذي يحصي مصائب العباد بعد الثواني.

اقرأ أيضا: توقعات بانتقال رياح التغيير في الانتخابات الرئاسية إلى التشريعية

6