الحملة الانتخابية للاستحقاق الرئاسي الجزائري أسيرة الخطوط الحمراء

المتسابقون الخمسة على كرسي الرئاسة تفادوا الحديث عن ملف سجناء الرأي ونفوذ المؤسسة العسكرية في السلطة.
الخميس 2019/11/21
أصوات لم تجد آذانا صاغية

الجزائر – مازال خطاب الحملة الانتخابية للاستحقاق الرئاسي في الجزائر محتشما، وبعيدا عن الجرأة السياسية التي يتطلبها السباق الانتخابي، حيث اكتفى المرشحون الخمسة في الأيام الأولى من عمر الحملة الدعائية باستعراض وعود مستهلكة للرأي العام، حول الشباب والبطالة والمرأة والعطل المرضية، فيما تفادوا الخوض في الملفات والقضايا الحساسة والثقيلة.

وتضاربت مواقف المرشحين الخمسة للانتخابات الرئاسية الجزائرية بشأن التعاطي مع ملف سجناء الرأي، بين رافض للتعليق على قرارات القضاء وبين داع لتنظيم استفتاء شعبي حول إطلاق سراحهم من عدمه، وهو ما يترجم حجم الهوة بين خطاب الحملة الانتخابية والانشغالات الأساسية للحراك الشعبي.

وتلعثم كل من المرشح المستقل عبدالمجيد تبون ومرشح التجمع الوطني الديمقراطي عزالدين ميهوبي في الرد على استفهامات تعلقت بوضع سجناء الرأي والتعاطي مع وضعهم في المستقبل، بينما رحّل مرشح حركة البناء الوطني عبدالقادر بن قرينة الملف إلى استفتاء شعبي يحسم في مصير هؤلاء، وهو ما يوحي إلى محدودية هامش المناورة المتاح لهم.

وذهب عبدالقادر بن قرينة، في أحد التجمعات الشعبية، إلى وصف رافضي الانتخابات الرئاسية بـ”الأغبياء” وبـ”المنقادين لأجندات مشبوهة”، وهو نفس الخطاب الذي تردده السلطة منذ تصاعد وتيرة الرافضين لإجراء الاستحقاق الرئاسي في الشروط والمناخ السائدين، بينما شدد علي بن فليس في مدينة تلمسان على أن رفض الانتخابات يفضي إلى استمرار “العصابة”.

وتفادى المتسابقون الخمسة حول كرسي الرئاسة الحديث عن ملف سجناء والرأي ومستقبل نفوذ المؤسسة العسكرية في السلطة والتعاطي مع الأزمة السياسية المرشحة لعمر جديد، أو جهاز القضاء، مما يوحي أن هؤلاء مازالوا حبيسي خطوط حمراء وضعت لهم في السر، ولا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال.

ومازال نقاش العلاقات المستقبلية بين مؤسسات الدولة غائبا عن الحملة الدعائية، الأمر الذي يبقي دور ونفوذ المؤسسة العسكرية في المستقبل غامضا، خاصة وأنه يشار إليها منذ عدة أشهر بالوقوف وراء المخارج المحددة للأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد منذ نحو عشرة أشهر، مما يعزز الفرضية القائلة إن الجيش هو الذي يدير التطورات ويدفع بها إلى آخر المطاف، بغية التواري عن الأنظار والعودة إلى دوره التقليدي في الإدارة الخفية لشؤون البلاد.

ولم يبد أي مرشح لحد الآن أي نية في تجاوز الخطوط الحمراء التي ألمح إليها في أكثر من مرة الرجل القوي في السلطة والجيش الجنرال أحمد قايد صالح، ومازال هؤلاء يتفادون الخوض في المطالب المرفوعة من طرف الشارع الجزائري، خاصة في ما يتعلق بتنحية رموز السلطة ومدنية الدولة، ومنهم من يحاول التماهي مع تلميحات قايد صالح.

ورغم أن تعاطي القضاء مع سجناء الرأي أثار لغطا كبيرا في الشارع وفي الدوائر القانونية والحقوقية، بسبب تضارب الأحكام الصادرة في حق المعنيين بين محاكم الجمهورية، وفيما مازالت محكمة بالعاصمة الجزائرية تصدر أحكاما توصف بـ”القاسية” لتضمنها عقوبات السجن، فإن محاكم أخرى في العاصمة وفي محافظات أخرى قضت ببراءة هؤلاء، رغم أن التهم هي واحدة.

ورغم الإضراب الذي شنه القضاة لأكثر من أسبوع، ورفع مطلب استقلالية القضاء وحرية القاضي، إلا أن التهم مازالت تلاحق هؤلاء من طرف المحتجين في المسيرات الشعبية المتصاعدة منذ بداية الحملة الانتخابية، بالتوازي مع تهم تهديد وحدة البلاد التي باتت تلاحق أنصار ورافعي الرايات الأمازيغية.

وبات خطاب الحملة الانتخابية متناغما مع خطاب السلطة في ما يتعلق بالذهاب للانتخابات، ولو أن أعلى منسوب من الجرأة سجله المرشح عبدالمجيد تبون الثلاثاء في مدينة بشار بأقصى الجنوب الغربي للبلاد، بالقول “تأجيل أو إلغاء الموعد الانتخابي يقود البلاد إلى فوضى”.

وتعرف الجزائر تصاعدا لافتا لنشاط واحتجاجات المناوئين للاستحقاق الرئاسي منذ بداية الحملة الانتخابية، حيث لم يسلم المرشحون الخمسة من المضايقات وتعطيل نشاطهم السياسي والدعائي، وسجلت العديد من المحافظات والمدن توقيف العشرات من المحتجين.

وتحولت المظاهرات المناهضة للانتخابات إلى سلوك يومي، بينما ذهب آخرون إلى غلق وتشميع مكاتب وإدارات تنظيم الانتخابات في البويرة وتيزي وزو بمنطقة القبائل.

وأفصح نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الجنرال قايد صالح، في تصريح أدلى به الثلاثاء، عن انحياز المؤسسة العسكرية إلى من أسماهم بـ”المسيرات المؤيدة للجيش”، في إشارة إلى مسيرات شعبية محتشمة انتظمت في الأسبوع الأخير لدعم المسار الانتخابي والمؤسسة العسكرية.

ويلمح الخطاب الجديد لقايد صالح إلى أن انحياز قيادة الجيش لصالح تيار شعبي معين، سيفضي إلى استعداء التيار الآخر الذي مازال مصرا على تحقيق مطالب رحيل السلطة وتحقيق انتقال سياسي شامل، ويتجه إلى التصعيد منذ بداية الحملة الانتخابية، حيث يتم تداول العديد من الخيارات كالعصيان والإضرابات.

4