الحملة البريطانية المصرية على دارفور.. فتح أم غزو

"فتح دارفور" يسلط الضوء على تاريخ خفي من التوتر المزمن بين مصر والسودان.
السبت 2020/01/25
متحف السلطان علي دينار بدارفور

الناظر للعلاقة بين مصر والسودان يكتشف أنها تمر بحالات مد وجزر رغم ما يجمع البلدين من قواسم مشتركة كثيرة، تاريخية وجغرافية وثقافية واجتماعية.. ولفهم الأسباب العميقة لسوء التفاهم المزمن بين الجارتين تجدر العودة إلى البحث في تاريخ العلاقة بينهما، وفي هذا الصدد يعد كتاب "فتح دارفور سنة 1916 ونبذة من تاريخ سلطانها علي دينار" للبكباشي المصري حسن قنديل، شهادة مهمة تسلط الضوء على الحملة البريطانية المصرية على إقليم دارفور إبان حكم علي دينار تحت مسوغات دينية واهية، استنادا على شهادات جنود وضباط عاينوا الحملة.

القاهرة - ربما لم يستمر سوء تفاهم مزمن بين مصر وأجيال من مواطني دولة عربية كما هو مع السودان. تتعدد مظاهر سوء التفاهم التاريخي وتتجدد بالجهل الاستعلائي مرة، وبتجاهل الجراح مرات. ويكفي فتح هذه الجراح لبحث ونقاش واعتذار قد يغني عنه إيضاح سياق تاريخي قاهر اضطر مصر المحتلة إلى المشاركة في إراقة دم سوداني سبق أن أريق مثله لمصريين، منذ ضرب الإسكندرية في بداية الغزو البريطاني عام 1882. وليس من الفطنة التطاوس بأوهام القوة، وإعادة التباهي بدفع قوات مصرية بقيادة بريطانية للاستيلاء على ولاية سودانية؛ عقابا على رفض حاكمها "دفع الجزية".

كما يجب النظر إلى التراث الفقهي بعين ناقدة لا تقدسه، وإنما تخضعه للتحليل الموضوعي، وتفكك عناصره وتفهم إطاره العام، فمن الأولى إخضاع التراث التاريخي وخصوصا العسكري، وفي مقدمته شهادات الجنود والضباط، لهذا الدرس. أما إعادة طبع نصوص هذا التراث من دون تحقيق علمي يقارنه بكتابات معاصرة له على الجانب الذي يمثله الطرف "المهزوم"، فإنه يشبه تفاخر السلفيين بتجاوزات "الفاتحين"، ونقلها من كتب اصفرت صفحاتها إلى طبعات قشيبة.

ولا أجد تمثيلا للسلفية السياسية والعسكرية أكثر من كتاب "فتح دارفور سنة 1916 ونبذة من تاريخ سلطانها علي دينار" للبكباشي المصري حسن قنديل، وهو شهادة كتبت عام 1937، وأعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة المصرية نشرها، مع كتب أخرى تصب في مجرى يصل مصر بالسودان، ولم تبرأ جراحه.

طبع الكتاب قبل أكثر من ثمانين عاما بحماسة من الأمير عمر طوسون (1872 – 1944) وكانت له اهتمامات بالعسكرية المصرية رعاية وتأليفا
طبع الكتاب قبل أكثر من ثمانين عاما بحماسة من الأمير عمر طوسون (1872 – 1944) وكانت له اهتمامات بالعسكرية المصرية رعاية وتأليفا

صورة متناقضة

يفتعل الغزاة على مدار التاريخ دوافع أخلاقية، دينية أو حضارية، للقيام بحملات عسكرية، بدعاوى تبدأ بنشر الدين، وتتدرج إلى الإغاثة ورفع الظلم وإقرار العدل وإرساء الديمقراطية. ولا يستقيم التعلل بهذه الشعارات البراقة مع المطالبة، أو المقايضة، بالمقابل المادي وهو الجزية، بمسمياتها المختلفة، وهي في الحالة السودانية تُفرض على مسلمين لم يناشدوا أحدا حمايتهم لقاء المال، ولم يتقدموا إلى مصر أو غيرها بالشكوى من حاكم يريدون خلعه.

ولكن البكباشي حسن قنديل يكتب في تقريره عن "فرح الأهالي وغبطتهم عند وصولنا إليهم فقد انتشلناهم من وهدة ظلم ابن دينار الذي أرهقهم بجبروته واستبداده". ولا يلبث أن يقع في تناقض تفضحه العلاقة السببية بين الظلم والفرار من الظالم في أول فرصة للخلاص، فالضابط المصري الشاهد يتحدث عن فرح الأهالي وغبطتهم بالتحرر من الاستبداد، ثم ينسى ذلك ويسجل الاستبسال في الدفاع عن بلادهم، في مواجهة "قنابل فتاكة" تنزع عن المعركة شرف التكافؤ. فإذا كانوا مشتاقين إلى العدل، فلماذا لم ينفضوا عن الظالم ويرحبوا بالمحررين؟

طبع الكتاب قبل أكثر من ثمانين عاما بحماسة من الأمير عمر طوسون (1872 – 1944) حفيد والي مصر سعيد باشا ابن محمد علي. وكانت له اهتمامات بالعسكرية المصرية رعاية وتأليفا. ومن كتبه "الجيش المصري البري والبحري في عهد محمد علي باشا" و"بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك" و"الجيش المصري في الحرب الروسية المعروفة بحرب القرم 1853 – 1855" و" يوم 11 يوليه سنة 1882" وهو تاريخ ضرب القوات البريطانية لمدينة الإسكندرية في 11 يوليو 1882، وبهذا اليوم بدأ احتلال مصر.

تولى عمر طوسون نشر الطبعة الأولى لكتاب "فتح دارفور سنة 1916". ونُشرت الطبعة الجديدة من الكتاب في «سلسلة العبور» التي تصدر بمقدمة إنشائية مدرسية ثابتة توضّح اختصاصها بتوثيق "انتصارات المصريين منذ فجر التاريخ، تلك الانتصارات لم تكن طمعا في أراضي الغير أو جورا على حقوقهم، إنما هي حفاظ على الحق ودعم للعدل… الواقع -الآن- في حاجة ماسة لاستدعاء قيم وأخلاق تكرس لنصرة الحق والعدل والحفاظ على ما تبقى للإنسان من إنسانيته".

وفي المقدمة الخاصة بهذا الكتاب يسجل محمد نبيل، رئيس تحرير "سلسلة العبور"، أنها "تسعى إلى إعادة تقديم صفحات الفخار للعسكرية المصرية عبر عصورها". وفي تلخيصه للكتاب يقول إن هدف الحملة على دارفور "أولا: القصاص من السلطان علي دينار، سلطان دارفور، وإنزاله من شامخ مجده وسؤدده لامتناعه عن دفع الجزية السنوية، وثانيا: معاقبته على انضمامه إلى الأعداء من المحور في جانب الحرب تركيا وألمانيا والنمسا والمجر ضد قوات الحلفاء".

مقدمة تثير قضايا، أولاها أن سلطان دارفور علي دينار ليس متوحشا من آكلي لحوم البشر، بل كان عزيزا مهيبا، ولم يمارس العدوان على جيرانه، ولم تكن بلاده بحاجة إلى حماية من قوى خارجية، فلماذا يطالَب بدفع جزية أو ضريبة سنوية لمصر أو لبريطانيا؟ ولم يوضح الكتاب كيفية اقتسام هذه الجزية بين دولتين ينتمي إليهما أعضاء الحملة العسكرية على دارفور.

وبعد استيلاء الحملة على أكثر من ألف جمل وألف رأس من الضأن في إحدى المعارك، أبدى البكباشي حسن قنديل دهشته من الحكم الثنائي (البريطاني المصري). وقد صار "موضعا للنقد والسخرية إذ أنه يسخّر الضعيف لنيل أغراض القويّ ورغباته فيشبع بطنه ويسد نهمه على حساب الخزينة المصرية المفتوحة على مصراعيها للمستشار المالي الإنجليزي والموصدة أبوابها في وجوه الأمة المصرية قاطبة".

تثير المقدمة أيضا قضية المرجعية السياسية والأخلاقية لكاتبها المصري، بعد أكثر من مئة عام على تجريد الحملة، وكيف تتشوش الرؤية فتظل استشراقية مستلبة تثبّت زاوية النظر إلى "الأعداء"، من دول المحور في الحرب الأوروبية الأولى 1914 – 1918، وهم لم يعادوا مصر أو السودان. ويضاف إلى ذلك قضية الاستقلال والتبعية، وهي ثنائية تستدعي حملة إبراهيم باشا باتجاه الآستانة عبر الشام في ثلاثينات القرن التاسع عشر، وكيف انطلقت بقرار مصري، ولم يكن الجيش بقيادة أجنبية، ولا ينفذ هدفا لدولة استعمارية، على العكس من الحملة على دارفور لعقاب سلطانها على انحياز سياسي لا علاقة لمصر به، ولكنها ارتضت وهي رهن الاحتلال أن تزجّ بأبنائها وقودا لمعركة الآخر.

إعادة القراءة

الضباط المصريون لم يكونوا أكثر من منفذين للتعليمات، حتى أن بلوكات الهجانة، بأجمعها كانت تحت إمرة  القائمقام هادلستون بك
الضباط المصريون لم يكونوا أكثر من منفذين للتعليمات، حتى أن بلوكات الهجانة، بأجمعها كانت تحت إمرة  القائمقام هادلستون بك

نشر الكتاب في زمن لا يدل مظهره على مخبره، ففي الواجهة كان فاروق يحمل لقب "ملك مصر والسودان"، وفي حقيقة الأمر كان "ملك مصر والسودان" عاجزا عن حكم مصر، وقد حاصرته الدبابات البريطاية في قصر عابدين في 4 فبراير 1942، وكاد يفقد عرشه، لولا خضوعه لأمر السفير البريطاني مايلز لامبسون بتشكيل وزارة يرأسها مصطفى النحاس الذي أنقذ عرش الملك.

أما إعادة نشر هذا "التراث" فتحتاج إلى دراسة رصينة تضبط المصطلحات، وتشرح دلالة الفتح زمانيا ومكانيا وبشريا، وفي أي شيء يختلف عن الغزو الصريح، وبالمنطق نفسه تجيب عما إذا كان يحق لسلطان دارفور لو امتلك القدرة العسكرية، مستعينا بقوة استعمارية أخرى، أن "يفتح" مصر؟

كتب عمر طوسون مقدمة أقل من 15 سطرا ذكر فيها كلمة "الفتح" ثلاث مرات، إذ زاره البكباشي حسن أفندي توفيق، وقال إنه «حضر فتح دارفور سنة 1916 م عندما شق سلطانها علي دينار عصا الطاعة على الحكومة المصرية»، فسأله الأمير أن يكتب "مذكرة عن هذا الفتح".

ثم عاد ومعه المذكرة/ الشهادة وهي محتوى هذا الكتاب الذي وجده جديرا بالنشر، لما فيه من جهود للجيش "المصري الذي تم الفتح المذكور على يديه فقط". وهذا يخالف نص الكتاب الذي بدأ في السطر الأول بتوثيق صدور الأمر، بتجريد الحملة على دارفور في فبراير 1916، "من شخص السردار"، وانتخب للمهمة أربعة ضباط مصريين من سلاح الطوبجية (المدفعية) منهم المؤلف وكانت رتبته "ملازم أول"، ولكن "مركز الرياسة" ضم تسعة منهم: حضرة صاحب العزة الأميرلاي كلي بك قومندان عام التجريدة، حضرة صاحب العزة القائمقام لتل بك الرئيس الأول لأركان حرب التجريدة، حضرة صاحب العزة القائمقام اسبنكس بك قومندان طوبجية التجريدة أو الحدود الغربية، حضرة صاحب العزة القائمقام كمنس بك حكيمباشي القوة، حضرة صاحب العزة القائمقام هِني بك مدير عام الأشغال العسكرية.

ما أطلق عليه الأميرلاي عمر طوسون حفيد محمد علي "الفتح" لم يتم على يد الجيش المصري "فقط"، فلم يكن الضباط المصريون أكثر من منفذين للتعليمات، حتى أن بلوكات الهجانة، (راكبي الإبل) "بأجمعها تحت قومندانية القائمقام هادلستون بك".

وفي أول مارس 1916 قبل الوصول إلى بلدة "النهود" بيومين "سمعنا بفرار الملازم الأول المدعو عبدالموجود من الهجانة للمعاملة السيئة التي كان يعامله بها البكباشي ماكلين قومندان البلوك وهو إنجليزي وانضمامه إلى السلطان علي دينار".

انشق الضابط المصري عن الحملة لسوء المعاملة، وتبعه اليوزباشي محمود أفندي رياض عائدا إلى مصر، واعتقل ضابطان آخران "لأسباب سياسية". فإذا كانت المعاملة السيئة تنال من الضباط، فكيف كانت معاملة القادة الإنجليز للجنود؟

قبل الوصول إلى حدود سلطنة دارفور وزعت رئاسة الحملة على جميع الوحدات منشورا يلخص الهدف من تحرك القوة العسكرية لإخضاع السلطان، بحجة أنه امتنع عن دفع "الجزية المعتادة، وانضم إلى أعداء الحلفاء مع أنه تابع للحكومة وبلاده جزء متمم للسودان الإنجليزي المصري".

وبعد 21 عاما على الحملة، لم يتردد المؤلف المصري في شيطنة عرب مسلمين شارك في قتالهم تحت قيادة ممثلي الاحتلال البريطاني، وبدا كريما في وصف سلطان دارفور وجيشها بأنه "العدو"، بل إنه يكرر الكلمة ست مرات في صفحة واحدة فقط: في الصباح "ظهرت كشافة العدو"، وبعد ساعة ظهرت مرة أخرى "تعززها أورطة بيادة للعدو".

ثم تبادل الطرفان إطلاق النار حتى أن "نار مدافعنا أصابت عشرة من سواري العدو فجندلتهم. أما أغلب رصاص العدو فقد كان جميعه طائشا… مدافع المكسيم السريعة الانطلاق تردّ العدو من بعد على أعقابه حائرا… تقدمنا بعد ذلك إلى جبل الحلة فوجدنا العدو". وبعد هذه الشيطنة يسهل إضفاء ظلال دينية على الحملة التي توجهت "لتقتص منه"، وتظهر الأهالي فرحين، "فقد انتشلناهم من وهدة ظلم ابن دينار الذي أرهقهم بجبروته واستبداده".

وفي صفحة تلخص معركة في قرية "برنجية" يكرّر المؤلف وصف "العدو" خمس مرات. وانتهت تلك المعركة بهزيمة جيش ابن دينار، ووقوع أكثر من ألف "بين قتيل وجريح كلهم من نخبة أمراء وقواد دارفور وقائد جيشه العام المدعو رمضان واد بره". وبلغت خسائر الجيش المغير ثمانية قتلى مصريين ليس بينهم ضباط، كما جرح 11 منهم ثمانية جنود. وهذا النصر مهد الطريق إلى "الفاشر" عاصمة دارفور، وقد غادرها السلطان "الطاغية العاتي"، في 23 مايو 1916.

ويعلق المؤلف "فقاتل الله الظلم والجبروت"، وكأن الجيش يقوده أحد الصحابة، كما يقول "هذا هو الجزاء العادل على الظلم والجبروت والعتو وجزاء من لا تجد الشفقة والحنان إلى قلبه سبيلا. إن ربك لبالمرصاد". وهو حكم قاس لم يذهب إليه خيال أحد عتاة السياسة الاستعمارية هو ونستون تشرشل.

في كتابه "حرب النهر"، (ترجمه عزالدين محمود بعنوان "تاريخ الثورة المهدية والاحتلال البريطاني للسودان")، بدا تشرشل أكثر إنصافا لخصم شريف، ولم يتحامل على زعيم الثورة المهدية، فيقول "ومهما قيل عن المهدي يجب ألا ننسى أنه وضع في قلوب قومه الروح والحياة، وحرر بلاده من الحكم الأجنبي. إن بسطاء الناس الغلابة الذين كانوا يعيشون شبه عراة وقوتهم لا يخرج عن كونه بعض الحبوب الجافة، فجأة وجدوا معنى جديدا للحياة بعد أن استطاع المهدي أن يغرس في صدورهم الحس الوطني الجارف والوازع الديني القوي… إنني أعتقد أنه في المستقبل وعندما يجد الناس السعادة في أعالي النيل، وعندما يستتب الأمن، ويأتي في ركابه التعليم والرخاء، يجب على أول مؤرخ عربي يدرس تاريخ المنطقة أن يذكر أن محمد أحمد كان من أعظم أبطال عصره".

لا أجد تمثيلا للسلفية السياسية والعسكرية أكثر من كتاب "فتح دارفور سنة 1916 ونبذة من تاريخ سلطانها علي دينار" للبكباشي المصري حسن قنديل، وهو شهادة كتبت عام 1937
لا أجد تمثيلا للسلفية السياسية والعسكرية أكثر من كتاب "فتح دارفور سنة 1916 ونبذة من تاريخ سلطانها علي دينار" للبكباشي المصري حسن قنديل، وهو شهادة كتبت عام 1937

نظرة سطحية

لا يخلو كتاب "فتح دارفور سنة 1916" من وصف دقيق لمدينة الفاشر عاصمة دارفور، بأنها في العمران والاتساع والتقسيم توازي أم درمان التي كانت عاصمة للسودان، وتقسيمها الإداري يشبه القاهرة والإسكندرية.

وتكسو الفاشر أشجار كبيرة "منظرها غاية في البهاء"، ويمر بوسطها خور كبير متسع، ولكل صاحب بئر حديقة وزروع يقول البكباشي المصري حسن قنديل إن منظرها "غاية في الجمال والإبداع"، ويظل الخور مملوءا بالماء، وأمام الخور يقع قصر السلطان علي دينار وملحقاته، وبالقرب منه بيوت "تدل على قدرة وعظمة" وتحيط بها الحدائق، وفي القصر معمل لصنع الذخيرة والسلاح.

الإنصاف النادر لسلطان دارفور جعله المؤلف على لسان قائد أسير ثقبت جسده رصاصتان، هو الخليل واد كرومه، وكان أميرا على أم شنقا وبلدات مجاورة لها، وذاع صيته في البلاد، "وهو فارس غاية في النجابة والذكاء".

وظل وفيّا للسلطان الذي أطلق على نفسه النار بدلا من وقوعه في الأسر.

وأبدى المؤلف إعجابه بشجاعة الخليل وقال له "إن السلطان كان جاهلا وسكّيرا، هذا فضلا عن إرهاقه الرعية بالظلم والجور والحيف… لا يخاف الله". فاغتاظ الرجل، وبحدة وأدب نفى الافتراء الذي بلغهم عن السلطان: "ولو كان سكيرا كما تقول لما أمكنه أن يدير دفة هذا الملك الواسع ما يربو على تسعة عشر عاما بدقة وإحكام. ولو كان ظالما فظا لانفضّ الناس من حوله.. كان رؤوفا رحيما برعيته كريما جوادا كثير الإحسان مسلما تقيا". وبعد سماع هذا الرد يكتب المؤلف "فأكبرت الرجل في عيني وصرت أنظر إليه منذ ذلك الوقت بعيني قلبي لا بذلك النظر السطحي".

ومما يكرس للنظر السطحي أيضا صدور كتاب آخر في "سلسلة العبور" بعنوان "أعمال الجيش المصري في السودان" بنصه القديم المكتوب عام 1930، من دون تحقيق يزيل التباسات عن مصطلحات منها "استرجاع السودان" في سبتمبر 1898.

تلك إشارات تلقي أضواء على غصة قديمة في قلوب السودانيين، هؤلاء الذين رفعوا شعار "لا مصري ولا بريطاني.. السودان للسوداني"، بعد ثورة 1952، على نحو ما حاولت إيضاحه في مقال "تفريط جمال عبدالناصر في السودان خرافة منتهية الصلاحية" في صحيفة "العرب" في 20 أغسطس 2019.

16