الحمل يغير دماغ الأم وعاطفتها استعدادا للأمومة

يؤدي الحمل إلى تغييرات مهمّة في الدماغ تدوم لسنتين على الأقل وتسمح بتحضير الأم للمتطلبات الاجتماعية المتصلة بالأمومة والاهتمام بمولودها الجديد. وهذا ما أكدته دراسة إسبانية حديثة، موضحة أن هذه التغييرات في البنية والتركيبة الوظيفية للدماغ تطال المناطق المشاركة في عمليات التفاعل الاجتماعي كالإدراك وتفسير الرغبات والمشاعر والنوايا والمزاج عند الشخص نفسه أو الآخرين.
السبت 2016/12/24
شفاه تتكلم أمومة

مدريد – يحدث الحمل تغييرات جذرية في أدمغة الأمهات الحديثات العهد بالولادة وفي عاطفتهن، ما يجعلهن يتهيأن أكثر من اللازم من الناحية السلوكية والعاطفية والنفسية لتقبل مسؤولية الأمومة. وبهدف فهم التغيرات البنيوية الناجمة عن الحمل على صعيد المادة الرمادية في الدماغ، وهي العنصر الرئيسي في الجهاز العصبي المركزي، حللت إلسيلين هوكزيما من وحدة البحوث في العلوم الإدراكية بقسم الطب النفسي والشرعي في جامعة برشلونة الإسبانية، وزملاؤها بعد الاستعانة بفحوص تصوير قبل الإنجاب وبعده، التغيرات التي حدثت لـ25 امرأة أصبحن أمهات للمرة الأولى.

وبالمقارنة مع أدمغة 19 والدا و17 رجلا من دون أطفال و20 امرأة لم ينجبن يوما، سجل لدى النساء اللواتي أنجبن للمرة الأولى مستوى متقلص من المادة الرمادية في المناطق المتصلة بالقدرات الاجتماعية.

ولاحظ معدو الدراسة زيادة في نشاط الخلايا العصبية في بعض هذه المناطق الدماغية التي تشهد تغيرا جراء الحمل عندما عرضوا أمام الأمهات صورا لأطفالهن الرضع.

وسمحت جلسة تصوير طبي لوحظ أن كل هذا التقلص في مستويات المادة الرمادية بقي لدى الأمهات اللواتي أنجبن طفلهن الأول بعد الإنجاب بما يقرب من سنتين، باستثناء استرجاع جزئي لمعدل المادة الرمادية في الحصين، وهي منطقة في الدماغ مرتبطة بالذاكرة.

كما أشارت الدراسة إلى أن الحمل يقلل الأنسجة الرمادية في دماغ المرأة، التي تشارك في السيطرة على العضلات، والإدراك الحسي وصنع القرار، وهو ما يساعدها على تقوية الارتباط مع طفلها والاستعداد لتلبية متطلبات الأمومة.

وأفادت بأن جسم المرأة يشهد خلال الحمل ارتفاعا حادا في معدل إفراز الهرمونات الجنسية وتغيرات فسيولوجية وجسدية كبيرة، ويفرز الجسم أثناء الحمل هرمون الاستروجين بكميات لا تشهدها المرأة في أي فترة من حياتها.

ويمهد المخ للحوامل الطريق إلى الأمومة للتعرف على متطلبات الأطفال عن طريق تغيرات فسيولوجية. وقال الباحثون إن ذلك يوفر للمرأة عدة ميزات، أولها مساعدتها على التعرف على احتياجات طفلها، وثانيها إدراك المخاطر الاجتماعية المحتملة التي قد يتعرض لها طفلها، وثالثها تقوية الارتباط العاطفي بالمولود.

تزايد النشاط في المناطق المسؤولة عن العواطف والقلق مرده تدفق الهرمونات خلال فترة الحمل ثم فترة ما بعد الولادة

وعرض الباحثون على النساء اللواتي خضعن للدراسة صورا لأطفالهن وأطفال نساء أخريات مع متابعة لنشاط المخ لديهن. وتوافقت الأجزاء التي أضيئت من المخ مع المناطق التي شهدت اختفاء الأشياء الرمادية أو تراجع حجمها عند رؤية المرأة لصورة طفلها أثناء الحمل، ولم تصدر عن مخ أي من نساء عيّنة الدراسة، أي إضاءة عند مشاهدة صورة أطفال آخرين.

وقالت الدراسة إن الآثار الواقعة على الكثير من النساء الحوامل متشابهة بغض النظر عن إن كان الحمل طبيعيا أو عن طريق التلقيح الصناعي.

وقال باحثون أوروبيون إن التغيرات التي تعرض لها المخ في فترة الحمل تشبه إلى حد كبير التغيرات التي تطرأ عليه في مرحلة المراهقة. إلا أن الدراسة لم تتوصل إلى أدلة على أن ذاكرة المرأة تتدهور خلال تلك الفترة، حيث تشتكي الكثير من النساء من أنهن يعانين من صعوبة في تذكر الأشياء خلال الحمل.

ومن جهة أخرى أكد مختصون تزايد النشاط في المناطق المسؤولة عن العواطف والقلق والتفاعلات الاجتماعية عند الأمهات الحديثات العهد بالولادة ، موضحين أن هذه التغيرات التي تنشأ عن تدفق الهرمونات خلال فترة الحمل ثم فترة ما بعد الولادة، تساعد الأم على الانجذاب إلى مولودها، واعتبروا أن ردود الأفعال في الدماغ هي السبب وراء مشاعر الأمومة المتجسدة في الحب الغامر والحماية الشديدة والقلق المستمر. وكشفوا أن تغيرات تحدث في مناطق عديدة من الدماغ لدى الأمهات الجدد، فتنمو المناطق المسؤولة عن تنظيم العواطف والتعاطف، أي ما يسمى بدوافع الأمومة.

كما أشاروا إلى أن “تلك المناطق مرتبطة بالوساوس القهرية. فلكل من الإنسان والحيوان رغبة عارمة في الاعتناء بطفله خلال فترة ما بعد الولادة”.

وتوصلت دراسات حديثة إلى أنه ما إن تحدق الأم في طفلها حتى تنشط مراكز التعاطف في دماغها، وهذا ما يفسر طريقة المداعبة التي دائما ما تحدث بين الأم وطفلها، إضافة إلى لطفها معه واهتمامها به.

ويرى العلماء أن مجموعة لوزية الشكل من الخلايا العصبية تعرف باسم اللوزة، هي المسؤولة عن تحفيز عمليات الذاكرة وردود الأفعال العاطفية مثل الخوف والقلق والغضب.

وقالوا إن نشاط اللوزة يتزايد في الأسابيع والأشهر الأولى بعد الولادة، ويرتبط هذا النشاط المتزايد نوعا ما بالسلوك الذي تسلكه الأم، حيث تجعلها اللوزة المستثارة مفرطة الحساسية تجاه احتياجات طفلها. كما تساعد مجموعة من الهرمونات التي تجد مستقبلات حسية أكثر في تلك اللوزة النشطة على خلق ردود أفعال إيجابية تحث مشاعر الأمومة وتزيد من انجذاب الأم الشديد لطفلها بين بقية الأطفال.

وفي دراسة سابقة حول استجابة اللوزة لدى الأمهات الجدد، سجلت النساء أحاسيس أكثر إيجابية تجاه صور لابتسامات أطفالهن مقارنة بابتسامات أطفال آخرين، كما عكس نشاط دماغهن ذلك الفارق. وسجل العلماء استجابة دماغية أكثر وضوحا في اللوزة والمهاد (جزء من الدماغ) وأماكن أخرى لدى الأمهات اللاتي نظرن لصور أطفالهن.

أما في ما يتعلق بالرجال، فقد أكد الباحثون أن تغيرات مماثلة تظهر في عقول الرجال إذا ما كانوا شغوفين برعاية الأطفال، حيث أن “دماغ الرجل الأبوية” يتم دعمها بشبكة اجتماعية معرفية والتي تتطور في ما بعد في عقل كل من الجنسين، بينما يتطور هرمون السلوكيات في دماغ النساء بشكل تلقائي للاستعداد للأمومة.

21