"الحميماتي" السوري يستعيد طيوره في المخيمات

تنتشر في الأحياء الشعبية بالمدن السورية ظاهرة تربية الحمام على أسطح المنازل، كما يحب أهل المدن تربية طيور الزينة داخل منازلهم، حيث يستمتعون بمنظرها وحسن صوتها، لكن الحرب ورائحة البارود وقلة ذات اليد جعلت الحمام يهاجر أو يموت، وأُجبر هواة تربيتها على اللجوء إلى خارج الوطن أين استعادوا نشاطهم ومتعتهم بهذه الهواية التي تساعدهم على كسب بعض الرزق.
الأربعاء 2018/02/07
الطيور تعدل مزاج السوريين صغارا وكبارا

عمان - تنتشر هواية تربیة الطيور في سوريا بین قسم من الشباب والرجال، ولوحظ في السنوات الأخیرة تحولها من هواية إلى مصدر رزق للبعض بعد أن انتشرت البطالة بسبب الحرب. لكن الطيور لا تحب أزيز الرصاص كما لا تحب رائحة البارود لذلك مات البعض منها وهاجر البعض الآخر في حين رحل البعض الثالث لاجئا مع مالكه إلى المخيمات. وأدى الحصار إلى عجز المربين الذين اختاروا البقاء في ديارهم عن توفير الطعام لأطفالهم وعصافيرهم التي تحتاج إلى العناية وطعام خاص، وقد فضّل أغلب المربين إطلاق طيورهم على أن تبقى فتموت جوعا أو تحترق بنيران الحرب.

ولشدة ولع السوريين وتعلقهم بتربية الطيور، نزح كمال الصبوح من ريف أدلب وأخذ معه طيوره إلى أحد المخيمات الحدودية، وفي هذا الصدد يقول “كيف أتركها وأنا أربيها منذ سنوات، وأجد فيها هواية تنسيني الواقع المرير الذي يحيط بنا، كما أنها تؤمّن لنا عائدا ماديا يساعدنا على مجابهة الحياة الصعبة في المخيم، فأنا أقوم بإدخال بعض الأنواع من الطيور إلى تركيا، حيث تعتبر مدينة كلس الحدودية مركزا يقصده التجار من كل المدن التركية لتسويق الطيور المهربة من الداخل السوري”.

وفي مخيم الزعتري بالأردن لم يتحمل اللاجئون عيشهم دون حمام وطيور تحلق فوقهم، فبشير (13 عاما) الذي يقيم في المخيم منذ سنوات يحب الطيور كثيرا إلى درجة أنه يتمنى أن يصبح طائرا، وهو الآن يحمي أصدقاءه الطيور من الغرباء في بقعة من صحراء المخيم بنى عليها قفصا خشبيا كبيرا، إنها “عشة” بشير.

العصافير وطيور الكناري والحمائم تتعايش جميعها بطريقة سلمية، ويرعاها بشير بانتظام وهو يتمتع بطقوسه اليومية مع طيوره إلى حد كبير. يقول بشير “أطعمها القنب والبذور والأرز والعدس والبرغل”، فرعاية الطيور تحفظ له رشده كما يقول ابن عمه منعم الأكبر منه سنا، والذي يضيف “أنا الذي علمته كيفية تربية الطيور على سطح بيتنا في درعا.. لقد كان لدينا حوالي مئة طائر، ولقد قطع شوطا طويلا في هذه الهواية وتعلم كيف ‘يكشها’ ويربيها ويرعاها”.

ومع أنه لا توجد طيور كثيرة في الزعتري، إلا أن هناك ما يكفي لإبقاء بشير مشغولا بين المدرسة ومساعدة والده في مطعم الأسرة، يقول “إذا لم أر الحمام كل صباح أصبح غير مرتاح نفسيا ولا أعرف كيف أعدّل مزاجي”.

وإثر سؤاله عما إذا كان الزعتري سيصبح مكانا دائما للإقامة، تجهم وجه بشير وبدا أكبر سنا وأكثر نضجا وقال “إنني أفتقد داري كثيرا.. الطيور تذكرني بسوريا، أشعر كما لو كنت قد اتخذت قطعة منها معي”.

ويضيف “الطيور لها أجنحة، ولكن لا تستطيع كل الطيور التحليق، وعلى الرغم من أن لديها حرية المغادرة، فإنها لن تذهب إلى أي مكان.. إنها تعرف المكان الذي تنتمي إليه. وحتى لو غادرت، فإنها على الأرجح ستذهب إلى سوريا لتطلب منها أن تنتظرني”.

رمز السلام وحلم العودة إلى الوطن

وفي مخيم الزعتري أحيا السوريون مهنة “الحميماتي” بحثا عن مصدر رزق يضيفونه إلى مساعدات المنظمات الإنسانية.

يقول منعم ابن عم بشير إن مهنة الحميماتي انتشرت في مخيم الزعتري “وأصبحنا نرى أسرابا من الحمائم تحلق فوق مخيمنا يربيها شباب لأجل تحسين ظروف حيواتهم الصعبة”، مضيفا أنه كان يربي الطيور في درعا، وكان هذا العمل هوايته المفضلة، لكن بعد قدومه إلى المخيم وجد صعوبة في البداية لعدم توفر المكان الملائم لتربية الطيور، لكنه استطاع شراء بعض الطيور من خارج المخيم، وشرع في تربيتها لتتحول هوايته إلى مهنة يكسب منها بعض المال.

وفي المخيم تشكل ما يشبه سوقا للطيور يقبل عليها اللاجئون لشراء الحمائم لإعداد وجبة شهية خاصة أكلة الحمام المحشي بالفريك التي تذكرهم بماض جميل كانوا يعيشونه في بلادهم.

ويشير بائع طيور الزينة سعدالدين الشريف إلى أنه يقوم بتربية مختلف أنواع الطيور في المخيم، ويبيع هذه الأنواع لعشاقها خاصة طيور الحب والكناري التي يكثر الطلب عليها، لافتا إلى أنه يشتري الأقفاص وإكسسواراتها والأعلاف من خارج المخيم ليوفرها لزبائنه.

ويضيف الشريف قائلا إن السوريين يحبون تربية طيور الزينة والطيور المغردة والملونة بألوان زاهية والتي تصدر صوتا جميلا بحسب ما تعودوا عليه في بلادهم، ويوجد الآن العشرات من الشباب الذين يبيعون الطيور ومستلزماتها حيث تدر عليهم دخلا يستطيعون من خلاله تحسين أوضاعهم المعيشية. اللاجئة السورية أم رامي أشارت إلى أن اللاجئين في مخيم الزعتري يحبون اقتناء الطيور المغردة ذات الألوان الزاهية ويعتبرونها رمزا للسلام والمحبة، وسماع أصواتها يمنحهم أملا في الرجوع إلى أوطانهم لأنهم كانوا متعودين في منازلهم بسوريا التي هربوا منها قسراً على تربية طيور الحب والكناري وسماع تغريداتها صباح كل يوم.

يؤكد ممثل المجتمع المدني في مخيم الزعتري موسى الحديدي أن السوريين يستحدثون كل يوم مهنة جديدة داخل المخيم، ويسترجعون مهنهم القديمة التي كانوا يزاولونها في سوريا، واستطاعوا تطوير العديد من المهن، وفي الآونة الأخيرة أصبحت مهنة تربية الطيور وبيعها تلقى رواجا في المخيم.

باتت تربية العصافير والمتاجرة بها مصدر دخل للنازح السوري مصطفى حسن الذي فر مع زوجته وأطفاله الأربعة، من منطقة تل رفعت بريف حلب إلى مخيمات نصبها السوريون في مناطق متاخمة للحدود التركية، وهناك بدأ بتربية العصافير بين أغصان الزيتون، بهدف المتاجرة بها وتأمين مستلزمات أفراد عائلته واحتياجاتهم.

في ما يخص علاقته بالعصافير واهتمامه بها، يقول حسن إنه يعمل على تربيتها منذ سنوات، وأنه اضطر إلى ترك عصافيره في منطقة تل رفعت عندما غادر القرية بسبب ظروف قاهرة.

يقول “لدى وصولي إلى هذا المخيم، لم أتمكن من العمل لفترة معينة، وبعد مدة قررت العودة إلى ممارسة هوايتي المتمثلة في تربية العصافير، فتربيتها أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي، كما أنني أتاجر بهذه الطيور، كي أستطيع تأمين احتياجات أسرتي، ولو كانت أحوالي المادية جيدة لما تاجرت بالعصافير، ولاكتفيت بتربيتها والاعتناء بها”.

ويضيف، “لدي الآن 40 عصفورا، كل صباح أستيقظ لأتحدث إليها وأعتني بها، وهناك بعض الأشخاص والأطفال يأتون إلى الخيمة بهدف رؤية العصافير والاستمتاع بزقزقتها، وهذا أمر يسعدني، فسماع صوتها يبعث الراحة والأمل في نفس الإنسان”.

20