الحنجرة العميقة

الأربعاء 2013/09/04

من المناسب استعادة هذا المصطلح الإعلامي (Deep Throat) اليوم، ليس بدافع سياسي حينما شاع مع فضيحة ووترغيت، عندما سرب مصدر المعلومات الغامض أو «الحنجرة العميقة» أسرار تجسس الجمهوريين على الديمقراطيين في زمن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى صحيفة «واشنطن بوست» وتسبب في استقالته.

غموض «الحنجرة العميقة» دفع طلاب الصحافة في جامعة إلينوي إلى إجراء دراسة آنذاك للتوصل إلى أن صاحب الشخصية المجهولة والسر الغامض المسرب للمعلومات، هو فريد فيلدينج نائب جون دين مستشار الرئيس نيكسون.

تبدو الاستعادة اليوم إعلامية بامتياز، مع تذكر محاورة الصحفي البريطاني ديفيد فروست الذي رحل عن عالمنا أمس الأول لنيكسون في المادة الصحفية التي كانت الأكثر طلبا آنذاك.

لقد استعد صحفي بمستوى فروست لمثل هذا الحوار لأيام وركز أفكاره في أسئلة غير مواربة، مباشرة لا تناور، لكنه عندما استذكر فيما بعد الحوار الذي أجرى عام 1977، لاحظ أنه نسي سؤالا واحدا يطلقه في وجه الرئيس نيكسون «من كان الحنجرة العميقة»؟

فهل بقي هذا المصطلح حياً اليوم، إذا كان كذلك فعلينا أن نطلقه على جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس، وعلى المستشار السابق للاستخبارات الأميركية ادوارد سنودن، لأنهما سربا ما يكفي من الوثائق ليكونا «حنجرة عميقة».

لكن لا أحد فعل ذلك واستعاد هذا المصطلح مع كمية الأخبار والتقارير التي رافقت أسانج وسنودن، فالواقع الإعلامي تغير، ولا يمكن أن يعود إلى الوراء، ثمة أدوات تكنولوجية تبدو بسيطة ومتوفر للفقراء والأغنياء على حد سواء، في المدن والقرى النائية، لكنها تحتوي ملايين الحناجر التي توصل المعلومة إلى الجمهور، ولم تعد هناك «حنجرة عميقة» واحدة.

«تويتر» مثلا هو حنجرة عميقة لا يمتلكها صوت واحد، يكفي أن يكون لبابا الفاتيكان 5 ملايين متابع لتغريدة من سطرين، وهو عدد لن يتسنى للحبر الأعظم أن يجمعه لو صلى في ملعب لكرة القدم.

المطربة الإماراتية أحلام، تكاد تكون صورة أخرى مطابقة لـ»الحنجرة العميقة» عندما تتواصل مع جمهور محب ورافض لها في تغريدات تجمع الفني بالسياسي والحياتي، ولو تنسى لنا جمع عدد الجمهور الفعلي الذي حضر حفلاتها على مدار عشرين عاما، ومعادلته مع عدد المتابعين لها على موقع التواصل الاجتماعي، لعرفنا أن تغريدة قصيرة ستبقى متداولة بين الجمهور أكثر بكثير من أجمل أغنياتها!

وحتى شاشة التلفزيون التي تستقطب ملايين المشاهدين لبرامجها، تستعين اليوم بتويتر لبث معلومات قصيرة يلتقطها أضعاف ما يشاهدون برامجها.

ثمة صوت يقود إلى ملايين الأصوات ليوصل بيسر رسالته السريعة في نفس لحظة حدوثها. فهل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي «الحنجرة العميقة» لصوت العالم برمته، تتداخل في أروقتها أصوات لأشخاص هي في محصلتها مرآة للشعوب ولواقع يومي متحرك.

يبدو أن الأعلام المعاصر يتكيف بشكل تلقائي مع مهامه الجديدة، وكأنه طفل ينمو ليتعلم لغته من محيطه، ولا يحتاج إلى التمسك بالسائد مما كان شائعا، ومن لم يتكيف، أو يرفض القبول سيجد نفسه في الهامش، المتن اليوم ليس لحنجرة عميقة واحدة، بل لأدوات تختصر في هيأتها ملايين الحناجر.

18